من حقوق اليتيم في الإسلام               دواء الذنوب - الحلقة الثالثة                دواء الذنوب - الحلقة الثانية               (الحديث الثامن) النميمة               دواء الذنوب - الحلقة الأولى               التوبــــة               (الحديث السابع) الزنا               (الحديث السادس) الكذب .. حرمته .. أثاره .. أنواعه               (الحديث الخامس) الغيبة               ظواهر سلبية               
خطب الجمعة
 
 
الحسد ... التكبر
شبكة الحقيقة - 2010/06/05 - [عدد القراء : 212]
 

 بسم الله الرحمن الرحيم

 
الحمد لله رب العالمين , الحمد لله الذي لا تُدركُهُ الشواهدُ , ولا تحويه المشاهدُ , ولا تراه النواظرُ ولا تحجبه السواترُ , الدالِّ على قدمه بحدوث خلقه , وبحدوث خلقه على وجوده , وباشتباههم على أن لا شبيه له .
الحمد لله الخافضِ الرافعِ , الضارِ النافعِ , الجوادِ الواسع ِ, الجليلِ ثناؤه , الصادقةِ أسماؤه , المحيطِ بالغيوب , وما يخطر على القلوب , الذي جعل الموت بين خلقه عدلا , وأنعم بالحياة عليهم فضلا فأحيا وأمات , وقدر الأقوات , أحكمها بعلمه تقديرا , وأتقنها بحكمته تدبيرا , إنه كان خبيرا بصيرا .
هو الدائمُ بلا فناء والباقي إلى غير انتهاء , يعلم ما في الأرض وما في السماء , وما بينهما وما تحت الثرى , أحمده بخالص حمده المخزون ، بما حمده به الملائكةُ والنبيون , حمداً لا يُحصى له عدد ولا يتقدمه أمد , ولا يأتي بمثله أحد .
وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له , وأشهد أن محمداً عبده ورسوله أرسله بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله ولو كره المشركون , صلى الله عليه وعلى آله أجمعين .
عباد الله أوصيكم ونفسي بتقوى الله عز وجل فإنها خير الزاد ليوم المعاد قال الله عز وجل : ﴿ وَتَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَى وَاتَّقُونِ يَا أُولِي الْأَلْبَابِ ﴾ فهي وصية الله عز وجل لعباده حيث قال تعالى في كتابه المجيد : ﴿ يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ إِنَّ زَلْزَلَةَ السَّاعَةِ شَيْءٌ عَظِيمٌ * يَوْمَ تَرَوْنَهَا تَذْهَلُ كُلُّ مُرْضِعَةٍ عَمَّا أَرْضَعَتْ وَتَضَعُ كُلُّ ذَاتِ حَمْلٍ حَمْلَهَا وَتَرَى النَّاسَ سُكَارَى وَمَا هُمْ بِسُكَارَى وَلَكِنَّ عَذَابَ اللَّهِ شَدِيدٌ ﴾ فعليكم الائتمار بأوامر الله والانتهاء عن نواهيه , جاهدوا أنفسكم وحاسبوها قبل أن تحاسبوا , ولا تجعلوا للشيطان عليكم سبيلا .
قال تعالى :﴿  أَمْ يَحْسُدُونَ النَّاسَ عَلَى مَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ  ﴾ .
وقال أيضا :﴿  أَلَيْسَ فِي جَهَنَّمَ مَثْوىً لِلْمُتَكَبِّرِينَ ﴾ .
حديثي في هذه الخطبة إن شاء الله تعالى سيكون حول مرضين من الأمراض الأخلاقية التي يصاب بها الإنسان . الأول : هو مرض الحسد , والثاني : هو مرض التكبر .
والحسد تعريفه ومعناه : هو تمني زوال النعمة عن الغير .
فإذا رأى الإنسانُ عند أخيه الإنسان نعمةً وتمنى زوالها فإنه يكون حاسداً له على هذه النعمة .
أما إذا رأى الإنسانُ عند أخيه الإنسان نعمةً وتمنى أن يكون له مثل هذه النعمة دون أن يتمنى زوال النعمةِ عن أخيه الإنسان فإن هذا يسمى الغبطة , والغبطةُ ليست محرمه , إنما المحرمُ والمذمومُ هو الحسد .
وقد ذمت الشريعةُ الإسلامية الحسدَ ذما شديدا في العديد من الآيات القرآنية و الأحاديث الشريفة .. وناهيك في ذم الحسد والحساد أن الله تعالى أمر بالاستعاذة من الحاسد فقال تعالى : ﴿ من شر حاسد إذا حسد ﴾ .
ومن النصوص الواردة في ذمة ما روي عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أنه قال للإمام علي عليه السلام : «يا علي : أنهاك عن ثلاث خصال , الحسد , والحرص , والكبر» , وقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : «الحسد يأكل الحسنات كما تأكل النار الحطب» , وقال الإمام الحسن عليه السلام : «هلاك الناس في ثلاث : الكبر والحرص والحسد , فالكبر : هلاك الدين وبه لعن إبليس , والحرص : عدو النفس , وبه أخرج آدم من الجنة والحسد : رائد السوء ومنه قتل قابيل هابيل» . وقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : «أيها الناس لا تحاسدوا ولا تقاطعوا ولا تدبروا ولا تباغضوا وكونوا عبادا لله إخوانا »
وأسباب الوقوع في هذه الخصلة الرذيلة عديدة منها :
1- خبث النفس : فهناك أشخاص شذاذ جبلوا على الخبث واللؤم وهؤلاء الأشخاص تراهم يحزنون عندما يرون الآخرين سعداء مبتهجين , ويداخلهم السرور لشقاء الآخرين ومآسيهم فيداخلهم الحسد للناس على ما أتاهم الله من فضله وإن لم يكن بينهم عداوة وإنما فقط لخبث ولؤم نفوسهم وطباعهم .
2- العداء : وهو من أقوى الدوافع للحسد , فإذا ما عادى إنسان آخر فإن هذا العداء قد يجره إلى حسد من عاداه وتمني زوال النعمة عنه .
3- التنافس : فإن أصحاب المهن الواحدة عادة ما يدفعهم التنافس بينهم لوصول الواحد منهم قبل الآخر إلى المراتب العالية أو المزايا الفاضلة أو الربح الأكبر إلى الحسد .
عباد الله : إن الحسدَ أساسٌ وسببٌ للكثير من المعاصي والذنوب ، فإن الحاسد عادة ما يجره حسده إلى ممارسة المعاصي الأخرى من قبيل غيبة المحسود والنميمة عليه وذمه وسبه وبهته وتنقيصه واختلاق المعائب والمثالب له والبحث عن عثراته وعوراته ونشرها بين الناس , وكل هذه معاصي وذنوب كبيرة وعظيمة توعدت الشريعة الإسلامية فاعلها بالعقاب الأليم في الدنيا والآخرة , وخير شاهد على صحة هذا القول ما حصل بين ابني آدم عليه السلام فقد دفع الحسد قابيل إلى قتل أخيه هابيل.
وآثار الحسد على الحاسد كثيرة وعديدة ... فهو يكدر صفو حياته ويجعله دائم الهم والحزن , وذلك لأن نعم الله على عباده كثيرة وعديدة فهو يتأذى ويهتم ويحزن لرؤية هذه النعم عند عباد الله ولذلك يقول الإمام أمير المؤمنين علي بن أبي طالب عليه السلام : ( ما رأيت ظالما أشبه بمظلوم من الحاسد ) .
وله آثار خطيرة على حسنات العبد فإن الحسد يؤثر على حسنات الحاسد فيقضي عليها تماما كتأثير النار على الحطب , فعن النبي صلى الله عليه وآله قال : ( الحسد يأكل الحسنات كما تأكل النار الحطب ) .
ومن آثاره السلبية أيضا سوء السمعة ومقت الناس له إذا ما اكتشف الناس فيه هذه الخصلة (الحسد ) .
إضافة إلى آثاره الأخرى في الآخرة فهو يعرضه إلى سخط الله ونقمته وعذابه لما مارسه من ذنوب ومعاصي ضد محسوديه , ولأنه ساخط على مشيئته سبحانه في إغداق نعمه على عباده , وهذه جرأة صارخة على الله عز وجل تبوء بصاحبها إلى الذل والسخط والهوان .
وإذا ابتلى الإنسان بهذا الداء فعليه للتخلص منه :
1- أن يترك التطلع والنظر إلى من فوقه سعادة ورخاء وجاها والنظر إلى من دونه في ذلك فتخف بذلك عن نوازع الحسد ودوافعه الجامحة .
2- أن يتذكر مساوئ الحسد وآثارَه السلبية الدنيوية , وما يعانيه الحاسد من صنوف الهموم والأحزان .
3- عليه أن يراقب الله تعالى وأن يؤمن بحكمته وتدبيره لعباده والاستسلام لقضائه , فإن ذلك علاج ناجح للتخلص من داء الحسد .
أما المرض الأخلاقي الثاني الذي أود الحديث عنه فهو مرض التكبر ...
والتكبر هو التعالي والتعاظم على الغير بالقول والفعل .
وقد تواتر ذمه في الكتاب والسنة :
قال تعالى : ﴿ ولا تصعر خدك للناس ولا تمش في الأرض مرحا إن الله لا يحب كل مختال فخور  ﴾ .
وقال تعالى : ﴿ أليس في جهنم مثوى للمتكبرين ﴾ .
وقال النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم : « إن أحبكم وأقربكم مني يوم القيامة مجلسا أحسنكم خلقا , وأشدكم تواضعا , وإن أبعدكم مني يوم القيامة الثرثارون وهم المستكبرون» .
إن أسباب التكبر عديدة , فالبعض يتكبر لشرافة نسبه فتجده يتعالى على من هو أدون منه نسبا _ طبعا حسب نظره _ فعلى مثل هذا الشخص أن يعلم أن الناس كلهم لآدم وآدم من تراب ولا فرق بينهم وأكرمهم عند الله أتقاهم يقول تعالى : ﴿ يا أيها الناس إنا خلقناكم من ذكر وأنثى وجعلناكم شعوبا وقبائل لتعارفوا إن أكرمكم عند الله أتقاكم إن الله عليم خبير  ﴾ .
والبعض يدعوه المنصب والجاه والوظيفة للتكبر , والذي ينبغي لمثل هذا الشخص الذي رزقه الله المنصب أو الجاه أو الوظيفة أن يتواضع لا أن يتكبر فإن شكر هذه النعمة هو أن يتواضع للآخرين ويخدم الآخرين لا أن يترفع ويتكبر عليهم .
والبعض يدعوه الغنى للتكبر , فهو يتكبر على الفقراء ومن هم أدون منه مستوى في المال , وأيضا على مثل هذا الشخص أن يعلم أن المال نعمة من الله أنعمها عليه , فعليه أن يتواضع لا أن يتكبر لأنه بالتواضع يؤدي جزءً من حق شكر هذه النعمة أما إذا ترفع وتعالى وتكبر بسبب ذلك فإنه قد كفر بهذه النعمة ولم يؤدي حق شكرها..
وأخيرا ليعلم كل إنسان تدعوه نفسه إلى التكبر أن الله عز وجل سيذله يوم القيامة على رؤوس الأشهاد فقد ورد في الرواية أن المتكبرين في هذه الحياة الدنيا سيحشرون في صورة الذر يطؤهم الناسُ في ساحة المحشر احتقارا وإذلالا لهم .
أسأل الله العلي القدير أن يوفقنا لمراضيه ويجنبنا معاصيه , ويغفر لنا ذنوبنا ويكفر عنا سيئاتنا ويتوفنا مع الأبرار , وأسأله سبحانه وتعالى أن يغفر لنا ولوالدينا ولمن وجب حقه علينا , ولكافة المؤمنين والمؤمنات والمسلمين والمسلمات , الأحياء منهم والأموات , اللهم اجعلنا من المتبعين لكتابك , والسائرين على نهجك واجعل القرآن شافعا مشفعا يوم القيامة آله الحق آمين يا رب العالمين .
اللهم عذب كفرة أهل الكتاب والمشركين الذين يصدون عن سبيلك ويجحدون آياتك ويكذبون رسلك , اللهم خالف بين كلمتهم وألق الرعب في قلوبهم وأنزل عليهم رجزك ونقمتك وبأسك الذي لا ترده عن القوم المجرمين ، اللهم انصر جيوش المسلمين وسراياهم ومرابطهم حيث كانوا في مشارق الأرض ومغاربها , إنك على كل شيء قدير ، اللهم معتق الرقاب ورب الأرباب ومنشئ السحاب ومنزل القطر من السماء إلى الأرض بعد موتها , فالق الحب والنوى ومخرج النبات وجامع الشتات صل على محمد وآل محمد واسقنا غيثا مغيثا مغدقا هنيئا مريئا , تنبت به الزرع وتدر به الضرع وتحيي به مما خلقت أنعاما وأناسي كثيرا ... آمين يا رب العالمين .
عباد الله : ﴿ إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْأِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ ﴾ اذكروا الله فإنه ذكر لمن ذكره , وسلوه رحمته وفضله فإنه لا يخيب من دعاه ولا يقطع رجاء من رجاه...
 
شارك بتعليقك حول هذا الموضوع
الاسم
التعليق
من
أحرف التأكيد Security Image
 
جميع التعليقات خاضعة للمراقبة ، تجنباً للمشاركات الهدامة !