من حقوق اليتيم في الإسلام               دواء الذنوب - الحلقة الثالثة                دواء الذنوب - الحلقة الثانية               (الحديث الثامن) النميمة               دواء الذنوب - الحلقة الأولى               التوبــــة               (الحديث السابع) الزنا               (الحديث السادس) الكذب .. حرمته .. أثاره .. أنواعه               (الحديث الخامس) الغيبة               ظواهر سلبية               
الأسئلة وأجوبتها
 
 
الشيعة والتقية
شبكة الحقيقة - 2010/07/23 - [عدد القراء : 93]
 

بسم الله الرحمن الرحيم

السؤال :
كثر الكلام عن التقية واستخدامها عند الشيعة الإمامية ، فهل لديكم رد حول ما أثاره الخصم عن استخدام الشيعة الإثنى عشرية للتقية ؟

الجواب :

التقية من المفاهيم الإسلامية التي شرّعها الله سبحانه وتعالى بنص كتابه ، ففي القرآن الكريم آيات تدل على مشروعيتها منها قوله تعالى : ( لا يَتَّخِذِ الْمُؤْمِنُونَ الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ فَلَيْسَ مِنَ اللَّهِ فِي شَيْءٍ إِلاّ أَنْ تَتَّقُوا مِنْهُمْ تُقَاةً وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ وَإِلَى اللَّهِ الْمَصِيرُ ) (1) .
فهذه الآية الكريمة ظاهرة في تشريع التقية ، وهذا ما استفاده منها علماء المسلمين سنة وشيعة ، وايضاً قوله تعالى :
( مَنْ كَفَرَ بِاللَّهِ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِهِ إِلاّ مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالأِيمَانِ وَلَكِنْ مَنْ شَرَحَ بِالْكُفْرِ صَدْراً فَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ مِنَ اللَّهِ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ ) (2) .
وهذه الآية أيضاً كسابقتها صريحة في تشريع التقية وجواز استخدامها ، وقد نقل المفسرون أنها نزلت في عمّار بن ياسر حين عذّبه المشركون حتى يكفر بالنبي محمد صلى الله عليه وآله فوافقهم على ذلك مكرهاً فجاء معتذراً إلى النبي صلى الله عليه وآله فنزلت الآية الكريمة .
وقد أشكل بعض الجهلة والمغرضين من مناوئي الشيعة وأعدائهم على الشيعة قولهم بالتقية واستخدامهم لها فزعم بعضهم أن التقية من النفاق وهذا من جهلهم ، فالتقية هي إظهار الكفر وإبطان الإيمان أو التظاهر بالباطل وإخفاء الحق ، فهي تقابل النفاق كتقابل الإيمان والكفر ، فإنّ النفاق ضدّها ، فهو عبارة عن إظهار الإبمان وإبطان الكفر ، والتظاهر بالحق وإخفاء الباطل ، فلا يصح أن تعدّ التقية من قسم النفاق ومصاديقه وفروعه .
وادّعى بعضهم أن التقية لا يجوز استخدامها إلاّ مع غير المسلم ، أمّا المسلم فلا تستخدم معه ، وهذا ادّعاء باطل لا دليل عليه ، بل الأدلة قائمة على خلافه ، فكما أنها تستخدم مع غير المسلم فإنها تستخدم أيضا مع المسلم الظالم اتقاءً لضرره ، والأدلة على ذلك من كتب الشيعة ومصادرهم كثيرة ، أما من كتب السنيين فهذه نماذج وأدلة من مصادرهم واقوال علمائهم تؤيد وتؤكد صحة ما نقوله ، فقد صرّح علماؤهم بجواز مخالفة الشرع في بعض الموارد دفعاً للضرر المحتمل من الغير – سواء كان هذا الغير كافراً أو مسلماً ظالماً جائرا – وموافقة المكره حال الإكراه كذلك .
قال ابن حيان الأندلسي في البحر المحيط : ( ... فأمّا من يتّقى منه فكل غالب يكره تجوز منه ، فيدخل في ذلك الكفار وجورة الرؤساء والسّلابة ، وأهل الجاه في الحواضر ، وأمّا ما يبيحها فالقتل والخوف على الجوارح والضرب بالسوط والوعيد وعداوة أهل الجاه الجورة ، وأما بأي شيء تكون ؟ من الأقوال فبالكفر فما دونه من بيع وهبة وغير ذلك ، وأما الأفعال فكل محرّم ... ) (3) .
وقال الألوسي في روح المعاني : ( وفي الآية دليل على مشروعية التقية وعرّفوها بمحافظة النفس أو العرض أو المال من شرّ الأعداء ، والعدو قسمان : الأوّل : من كانت عداوته مبنية على اختلاف الدين كالكافر والمسلم ، الثاني : من كانت عداوته مبنية على أغراض دنيوية كالمال والمتاع والملك والإمارة ) (4) (5) .
وقال عبد الحق الأندلسي : ( واختلف العلماء في التقية ممن تكون وبأي شيء تكون وأي شيء تبيح ، فأما الذي تكون منه التقية فكل قادر غالب مكره يخاف منه ، فيدخل في ذلك الكفار إذا غلبوا وجورة الرؤساء والسلابة وأهل الجاه في الحواضر ، قال مالك رحمه الله : وزوج المرأة قد يكره ... ) (6) .
وقال الجصاص : ( ... فأحكام الإكراه مختلفة على الوجوه التي ذكرنا منها ما هو واجب إعطاء التقية وهو الإكراه على شرب الخمر وأكل الميتة (7) ونحو ذلك ... ) (8) .
وقال القرطبي : ( ... فإن كانت الصحبة عن ضرورة وتقية فقد مضى القول فيها في آل عمران والمائدة ، وصحبة الظالم (9) على التقية مستثناة من النهي بحال الإضطرار ) (10) .
وقال المراغي في تفسيره : ( ويدخل في التقية مداراة الكفرة والظلمة والفسقة ، وإلانة الكلام لهم والتبسّم في وجوههم وبذل المال لهم لكفّ أذاهم وصيانة العرض منهم ، ولا يعدّ هذا من الموالاة المنهيّ عنها ، بل هو مشروع ، فقد أخرج الطبراني قوله صلى الله عليه وسلم : " ما وقى المؤمن به عرضه فهو صدقة " ) (11) .
وقال جمال الدين القاسمي : ( وزاد الحق غموضاً وخفاءً أمران : أحدهما : خوف العارفين – مع قلتهم – من علماء السوء وسلاطين الجور وشياطين الخلق مع جواز التقية عند ذلك بنص القرآن وإجماع أهل الإسلام ، وما زال الخوف مانعاً من إظهار الحق ، ولا برح الحق عدواً لأكثر الخلق ، وقد صحّ عن أبي هريرة أنّه قال - في ذلك العصر الأول - : " حفظت من رسول الله وعاءين ، أما أحدهما فبثثته في الناس ، وأما الآخر فلو بثثته لقطع هذا البلعوم " ) (12) .
وقد كتاب سير أعلام النبلاء 5/301 ترجمة سعيد بن جبير بعد أن ذكر بعض الروايات فيما دار بين سعيد بن جبير والحجاج بن يوسف الثقفي وحكم الحجاج عليه بالقتل :
( قلت : ولمّا علم من فضل الشهادة ثبت للقتل ولم يكترث ، ولا عامل عدوّه بالتقية المباحة له رحمه الله تعالى )
ومعنى كلام الذهبي أن سعيد بن جبير فضلّ الشهادة على استخدام التقية مع الحجاج وهي جائزه له لو استخدمها وهذا دليل على صحة استخدامها حتى مع المسلم الظالم الجائر .
هذه كلها أدلة من أقوال جمع من علماء أهل السنة تفيد أن التقية لا تختص ممارستها فقط مع غير المسلم من كفار ومشركين وغيرهم بل حتى مع المسلم الظالم ، بل في رواياتهم ما يفيد أن المسلمين استخدموها مع بعضهم البعض من ذلك اتقاء حذيفة بن اليمان من عثمان بن عفان فقد روى ابن أبي شيبة في مصنفه بسنده عن النزال بن سبرة قال : ( دخل ابن مسعود وحذيفة على عثمان فقال عثمان لحذيفة بلغني أنك قلت كذا وكذا .
قال : لا والله ما قلته .
فما خرج قال له عبد الله : مالك فلم تقوله ما سمعتك تقول ؟
قال : إني أشتري ديني بعضه ببعض مخافة أن يذهب كله ) (13) .
واتقاء عبد الله بن عمر بن الخطاب من عثمان بن عفان ، فلما أن خالف عثمان سنة النبي صلى الله عليه وآله في قصر الصلاة بمنى كان ابن عمر خوفاً من عثمان واتقاءً لضرره إذا صلّى خلف الإمام يصلّي ركعتين وإذا صلاّها لوحده صلى أربعاً ، ففي صحيح مسلم بسنده عن نافع عن ابن عمر قال : ( صلى رسول الله صلى الله عليه وسلم بمنى ركعتين وأبو بكر بعده وعمر بعد أبي بكر وعثمان صدراً من خلافته ثم أن عثمان صلّى بعد أربعاً ، فكان ابن عمر إذا صلّى مع الإمام صلّى أربعاً ، وإذا صلاّها وحده صلّى ركعتين )! ( 14) .
واتقاء مسروق معاوية بن أبي سفيان ، قال السرخسي في المبسوط :
( وذكر عن مسروق رحمه الله قال بعث معاوية ( رض ) ! بتماثيل من صفر تباع بأرض الهند فمر بها على مسروق رحمه الله ، قال : والله لو أني أعلم أنه يقتلني لغرقتها ولكني أخاف أن يعذبني فيفتنني ، والله لا أدري اي الرجلين معاوية ، رجل قد زين له سوء عمله أو رجل قد يئس من الآخرة فهو يتمتع في الدنيا ) (15) .
وفي صحيح البخاري أن أبا هريرة الدوسي قال : ( حفظت من رسول الله صلى الله عليه وسلم وعاءين فأما أحدهما فبثثته وأما الآخر فلو بثثته قطع هذا البلعوم ) (16) .
وبلا شك أن إمتناع أبي هريرة من نشر أحاديث الوعاء الآخر لم يكن خوفاً من الكفار وإنما هو من خلفاء زمانه الذين لا يحبذون نشرها لأنها تتعارض مع مصالحهم أو تدينهم في شيء .
والشيعة إنما استخدموا التقية ومارسوها أكثر من غيرهم لأنهم تعرضوا للظلم والاضطهاد والتقتل والتشريد والعدوان أكثر من غيرهم من بقية الفرق الإسلامية وذلك من قبل حكام الجور وسلاطين البغي والظم من الأمويين والعباسيين وغيرهم وكشاهد على ذلك ، فهذا ابن أبي الحديد المعتزلي يذكر لنا ما تعرض له شيعة الكوفة من قبل الطاغية زياد بن أبيه والي معاوية عليها حيث قال :
( روى أبو الحسن علي بن محمد بن أبي سيف المدائني في كتاب الأحداث قال : كتب معاوية نسخة واحدة إلى عمّاله بعد عام الجماعة : أن برئت الذّمة ممن روى شيئاً من فضل أبي تراب وأهل بيته ، فقالمت الخطباء في كل كورة وعلى كل منبر يلعنون علياً ويبرؤون منه ويقعون فيه وفي أهل بيته ، وكان أشد الناس بلاءاً حينئذٍ أهل الكوفة لكثرة ما بها من شيعة علي عليه السلام ، فاستعمل عليهم زياد بن سمية وضم إليه البصرة فكان يتتبع الشيعة وهو بهم عارف لأنه كان منهم أيام علي عليه السلام فقتلهم تحت كل حجر ومدر وأخافهم وقطع الأيدي والأرجل وسمل العيون وصلبهم على جذوع النخل ، وطردهم وشرّدهم عن العراق فلم يبق بها معروف منهم ) (17) .
فالشيعة في استعمالهم للتقية لم يخالفوا شرع الله بل عملوا بما يمليه ويفرضه ويجيزه لهم الشرع الشريف .
كما أشكل بعض الجهلة والمغرضين أيضاً على الشيعة حول ما ورد في بعض مصنفاتهم الحديثية من أن بعض أئمتهم عليهم الصلاة والسلام استخدم التقية فكان أحياناً يفتي أو يجيب على سؤال من سأله عن مسألة خلاف الحق ، وجوابه : أن التقية مشروعة للمسلم – كما أثبتنا – فيجوز له أن يكتم الحق ويظهر حلافه في مورد التقية ، وإذا كان الأمر كذلك فلا ضير على الإمام المعصوم أن يفتي أو يجيب أحياناً بخلاف الحق إذا كان المورد مورد تقية ، فإن الذي دعى الأئمة الطاهرين عليهم السلام لاستخدام التقية أحياناً هو تعرّضهم على امتداد تاريخهم وحياتهم للجور والظلم من قبل السلطات الحاكمة في زمانهم ، ولكن لا يعني هذا أنهم عليهم السلام كانوا يتّقون في جميع أقوالهم وأفعالهم أو حتى في مجالسهم الخاصة التي تخلو من عيون السلطة ، والأحاديث الصادرة منهم في مقام التقية قليلة نسبة إلى ما صدر منهم من غير تقية ، وما كانت اقوالهم في موارد التقية لتغيب عن فطنة الفقهاء من أصحاب الأئمة عليهم السلام لاتصالهم المباشر بهم .
والتقية عند الشيعة الإمامية الإثنى عشرية ليست جائزة في كل مواردها بل تنقسم حسب الأحكام التكليفية الخمسة : الواجب ، والمستحب ، والمحرم ، والمكروه ، والمباح ، فهي عندهم ليست بواجبة أو جائزة في كل الأحوال .
قال العلامة محمد رضا المظفر عليه الرّحمة :
( وللتقية أحكام من حيث وجوبها وعدم وجوبها بحسب اختلاف مواقع خوف الضرر مذكورة في أبوابها في كتب العلماء الفقهية ، وليست هي بواجبة على كل حال بل قد يجوز أو يجب خلافها في بعض الأحوال كما إذا كان في إظهار الحق والتظاهر به نصرة للدين وخدمة للإسلام ، وجهاد في سبيله ، فإنه عند ذلك ليستهان بالأموال ولا تعزّ النفوس ، وقد تحرم التقية في الأعمال التي تستوجب قتل النفوس المحترمة أو رواجاً للباطل أو فساداً في الدّين أو ضرراً بالغاً على المسلمين بإضلالهم أو إفشاء الظلم والجور بينهم ) (18) .
ومن الكتب التي ننصح بقراءتها حول موضوع التقية :
كتاب التقية في الفكر الإسلامي
http://www.rafed.net/books/aqaed/altaqia/
والحمد لله رب العالمين وصلى الله على رسوله الأمين محمد وعلى آله الطيبين الطاهرين
___________________________
(1) آل عمران : 28 .
(2) النحل : 106 .
(3) البحر المحيط 2/424 .
(4) روح المعاني 3/121 .
(5) اقول ومن كانت عداوته مبنية على أغراض دنيوية كالمال والمتاع والملك والإمارة قد يكون كافراً وقد يكون مسلما .
(6) المحرر الوجيز في تفسير الكتاب العزيز 1/420 .
(7)أقول : والإكراه على كا ذكر قد يكون من غير المسلم وقد يكون من المسلم الظالم ايضاً .
(8) أحكام القرآن 5/16 .
(9) أقول : والظالم قد يكون مسلماً وقد يكون غيره .
(10) تفسير القرطبي 9/108 .
(11) تفسير المراغي 3/136 .
(12) محاسن التأويل 4/82 .
(13) مصنف ابن أبي شيبة 6/474 حديث رقم : 3305 .
(14) صحيح مسلم 1/482 حديث رقم : 694 .
(15) المبسوط 24/46 .
(16) صحيح البخاري 1/56 حديث رقم : 120 .
(17) شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد المعتزلي 11/44 .
(18) عقائد الإمامية صفحة 85 .

 
شارك بتعليقك حول هذا الموضوع
الاسم
التعليق
من
أحرف التأكيد Security Image
 
جميع التعليقات خاضعة للمراقبة ، تجنباً للمشاركات الهدامة !