من حقوق اليتيم في الإسلام               دواء الذنوب - الحلقة الثالثة                دواء الذنوب - الحلقة الثانية               (الحديث الثامن) النميمة               دواء الذنوب - الحلقة الأولى               التوبــــة               (الحديث السابع) الزنا               (الحديث السادس) الكذب .. حرمته .. أثاره .. أنواعه               (الحديث الخامس) الغيبة               ظواهر سلبية               
خطب الجمعة
 
 
في رحاب الإمام علي بن أبي طالب عليه السلام
شبكة الحقيقة - 2010/09/02 - [عدد القراء : 206]
 
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله رب العالمين، الحمد لله أهلِ الحمدِ ووليِّهِ، ومنتهى الحمدِ ومحلِّهِ، الأجلِّ الأعظمِ، الأعزِّ الأكرمِ، المتوحّدِ بالكبرياءِ، والمتفرّدِ بالآلاءِ، القاهرِ بعزِّهِ والمتسلّطِ بقهرِهِ، الممتنعِ بقوّتِهِ، المهمينِ بقدرتهِ، والمتعالي فوق كلِّ شيءٍ بجبروتِهِ، المحمودِ بامتنانِهِ وإحسانِهِ، المتفضّلِ بعطائِهِ وجزيلِ فوائِدِهِ، المُوسِعِ برزقِهِ، المُسْبِغِ بنعمِهِ .
نحمدُهُ على تظافرِ آلائِهِ، وتظاهُرِ نعْمائِه، حمداً يَزِنُ قدرَ كبريائِهِ وعظمَةَ جلالهِ.
وأشهد أن لا إله إلاّ الله وحده لا شريك له، وأشهد أنّ محمداً صلى الله عليه وآله عبدُهُ ورسُولُهُ، اصطفاهُ بالتفضيلِ، وهدى به من التضليلِ، واختصّهُ لنفسه، وبعثه إلى خلقِهِ، يدعوهم إلى توحيدِهِ وعبادتِهِ، والإقرارِ بربوبيتِهِ، فبلّغَ رسالاتِهِ، وجاهدَ في سبيلِهِ، ونصحَ لأمّتِهِ، وعبدهُ حتى أتاه اليقين.
عباد الله أوصيكم ونفسي بتقوى الله العظيم، فإن الله عزّ وجل قد أكرمكم بدينه، وخلقكم لعبادتِهِ، وقد جعل للمتقين المخرجَ مما يكرهون، والرّزق من حيثُ لا يحتسبون، فانْصِبُوا أنفسكم في أداءِ حقّهِ، واطلبوا ما عندَهُ بطاعتِهِ، والعملِ بمحابِّهِ، فإنّه لا يدركُ الخيرُ  إلاّ به، ولا ينالُ ما عندهُ إلاّ بطاعتِهِ، ولا تُكْلانَ فيما هو كائنٌ إلاّ عليه، ولا حول ولا قوّة إلاّ به.
فاجتهدوا عباد الله أن لا يفتقدكم الله حيثُ أمركم ولا يراكم حيثُ نهاكم، جاهدوا أنفسكم وحاسبوها قبل أن تحاسبوا، ولا تجعلوا للشيطان عليكم سبيلا .
أيّها المؤمنون إننا نعيش في هذه الأيام ذكرى استشهاد الإمام أمير المؤمنين علي بن أبي طالب عليه السلام فلقد فجعَ اللعينُ عبدُ الرحمنِ بنُ ملجم المرادي الأمةَ الإسلاميةَ بأعظم شخصية إسلامية بعد رسول الله صلى الله عليه وآله، إنّها الشخصية التي امتزج نورها قبل أن يخلق الله آدم عليه السلام بأربعة عشر ألف عام بنور رسول الله صلى الله عليه وآله إلى أن أودع الله سبحانه وتعالى هذا النور في آدم عليه السلام وانتقل نورهما معاً من صلب طاهر إلى صلب طاهر آخر إلى أن افترقا بعد صلب عبد المطلب، قسم من هذا النور في عبد الله والد النبي صلى الله عليه وآله فكان منه رسول الله صلى الله عليه وآله، والقسم الثاني في صلب أبي طالب عليه السلام فكان منه أمير المؤمنين علي بن أبي طالب عليه السلام، فعن سلمان الفارسي قال: (سمعت حبيبي رسول الله صلى الله عليه وآله يقول: كنت أنا وعلي نوراً بين يدي الله عز وجل قبل أن يخلق آدم بأربعة عشر ألف عام، فلما خلق الله آدم قسم ذلك النور جزءين فجزء أنا وجزء علي عليه السلام)
ودلّت الأخبار أن شخصية علي عليه السلام كانت ثاني شخصية يقع عليها الاختيار الإلهي من بين جميع البشر، ففي الرواية أنّ رسول الله صلى الله عليه وآله خاطب فاطمة الزهراء عليها السلام فقال لها: (يا حَبِيبَتِي أَمَا عَلِمْتِ أَنَّ اللَّهَ عز وجل اطَّلَعَ إلى الأَرْضِ اطِّلاعَةً فَاخْتَارَ منها أَبَاكِ فَبُعِثَ بِرِسَالَتِهِ ثُمَّ اطَّلَعَ اطِّلاعَةً فَاخْتَارَ منها بَعْلَكِ وَأَوْحَى إليَّ أَنْ أُنْكِحَكِ إِيَّاه ) فلو كان هناك من هو أفضل من علي عليه السلام لكان أحق بالاختيار الإلهي منه عليه السلام.
لقد كان علي عليه السلام زهداً في هذه الدنيا مع أنّه كان بإمكانه أن يحصل على الكثير الكثير من حطامها وملذاتها وشهواتها، لكنّه خاطبها بقوله: (يا دنيا غُري غيري، إليَّ تعرضت أم إليَّ تشوقت؟ هيهات هيهات لا حان حينك، قد أبنتك ثلاثاً لارَجْعة لي فيك، عمرك قصير، وعيشك حقير، وخطرك يسير، آه من قلَّة الزاد وبعد السفر ووَحْشَة الطريق) وقال عليه السلام في وصف الدنيا : (أوّلها عناء، وآخرها فناء، في حلالها حساب، وفي حرامها عقاب، من استغنى فينا فتن، ومن افتقر فيها حزن، ومن ساعاها – أي غالبها في السعي – فاتته، ومن قعد عنها واتته، ومن أبصر بها بصرته، ومن أبصر إليها أعمته) هذه حقيقة الدنيا في نظر علي عليه السلام، وهو واقع حقيقتها، فكل ما فيها من ملذات وشهوات مشوب بالمنغصات لا تدوم على حال، وكل ما فيها فان ومنته إلى زوال، والإنسان عنها ميت وراحل، المغرور من اغتر بها والمجنون من سعى وراءها وتكالب على حطامها، إن عليّاً عليه السلام عندما عرف حقيقة الدنيا لم يلتفت لشيء من حطامها، وكما تعامل علي مع الدنيا يتعامل معها كل من عرفها على حقيقتها، أمّا من لا يعرفها أو من يعرفها ولكنه يتسانى ذلك فإنه ينجر وراء الدنيا ويتكالب عليها ويسعى للحصول على قدر كبير من حطامها دون أن يتلفت إلى الآخرة ويعمل لها، ومثل هذا الشخص بعيد كل البعد عن الاقتداء بعلي عليه السلام، إن عليّاً عليه السلام تعامل مع الدنيا على أنّها مزرعة للآخرة، تعامل معها على أنّها معبر وممر من خلاله يتوصل العبد إلى الكمالات الروحية والمقامات المعنوية، ولم يتعامل معها على أساس أنّها مكان ومقر، ولذلك سعى فيها للممارسة كل عمل يقرّبه أكثر من الله سبحانه وتعالى، فمارس الأعمال العبادية بشكل واسع، ومارسها بأصعب مراحلها ومراتبها، ومادام الإمام علي عليه السلام هو إمامنا وإسوتنا وقدوتنا فعلينا أن نأخذ من سيرته وحياته دروساً لنا نحاول أن ننهج نهج علي عليه السلام في هذه الحياة وأن نتعامل مع الدنيا تعاملاً أمثل، علينا أن نسعى إلى ممارسة كل عمل يقربنا من الله ويرتقي بإيماننا وتقوانا إلى الدرجات العليا، ويزيد في كمالاتنا المعنوية ويرتقي بأرواحنا إلى مراتبها العلية، ونبتعد عن فعل كل ما من شأنه يأخذ بنا إلى الحضيض، ويلوث نفوسنا بالظلمة ويصيب قلوبنا بالرّين، ويعرّضنا في هذه الدنيا وعند الموت وفي القبر وفي الآخرة إلى عقاب الله عزّ وجل...
وكان صلوات الله وسلامه عليه في قمّة العلاقة مع الله سبحانه وتعالى، لم تكن عبادته لله عزّ وجل طمعاً في جنة ولا خوفاً من النار، وإنّما عبد الله سبحانه وتعالى شكراً لأنه المنعم والمتفضل والرب والإله المستحق للعبادة، فهو عليه السلام القائل: ( إلهي ما عبدتك خوفاً من نارك ولا طمعاً في جنتك، ولكن وجدتك أهلاً للعبادة فعبدتك) لم يعبد الله سبحانه وتعالى عبادة التجار ولا عبادة العبيد بل عبده عبادة الأحرار، فهو القائل: (إن قوماً عبدوا الله رغبة فتلك عبادة التجار، وإن قوما عبدوا الله رهبة فتلك عبادة العبيد، وإن قوماً عبدوا الله شكراً فتلك عبادة الأحرار)
لقد كان أبو الدرداء في جماعة من المسلمين فتذاكروا أعمال أهل بدر وبيعة الرضوان فقال لهم أبو الدرداء: يا قوم، ألا أخبركم بأقل القوم مالاً، وأكثرِهم ورعاً، وأشدِّهم اجتهادا في العبادة؟ قالوا: من؟ قال: علي بن أبي طالب.
قال: فوالله إن كان في جماعة أهل المجلس إلاّ معرض عنه بوجهه، ثم انتدب له رجل من الأنصار، فقال له: يا عويمر، لقد تكلمت بكلمة ما وافقك عليها أحد منذ أتيت بها فقال أبو الدرداء: يا قوم، إني قائل ما رأيت، وليقل كل قوم منكم ما رأوا، شهدت علي بن أبي طالب: بشويحطات (الشوحط نوع من الشجر) النجار، وقد اعتزل عن مواليه، واختفى ممن يليه، واستتر بمغيلات النخل (نجيل متلاصقة ببعضها)، فافتقدته وبعد علي مكانه، فقلت: لحق بمنزله، فإذا أنا بصوت حزين ونغمة شجي وهو يقول: إلهي، كم من موبقة حملت عني فقابلتها بنعمتك، وكم من جريرة تكرمت عن كشفها بكرمك، إلهي إن طال في عصيانك عمري، وعظم في الصحف ذنبي، فما أنا مؤمل غير غفرانك، ولا أنا براج غير رضوانك.
يقول أبو الدرداء: فشغلني الصوت واقتفيت الأثر، فإذا هو علي بن أبي طالب بعينه، فاستترت له، وأخملت الحركة، فركع ركعات في جوف الليل الغابر، ثم فزع إلى الدعاء والبكاء والبث والشكوى، فكان مما ناجى به الله أن قال: إلهي، أفكر في عفوك، فتهون علي خطيئتي، ثم أذكر العظيم من أخذك فتعظم علي بليتي.
ثم قال: آه إن أنا قرأت في الصحف سيئة أنا ناسيها وأنت محصيها، فتقول: خذوه، فيا له من مأخوذ لا تنجيه عشريته، ولا تنفعه قبيلته، يرحمه الملا إذا أذن فيه بالنداء.
ثم قال: آه من نار تنضج الأكباد والكلى، آه من نار نزاعة للشوى، آه من غمرة من ملهبات لظى.
قال: ثم أنعم في البكاء (أطال البكاء وزاد منه)، فلم أسمع له حسا ولا حركة، فقلت : غلب عليه النوم لطول السهر، أوقظه لصلاة الفجر.
قال أبو الدرداء: فأتيته فإذا هو كالخشبة الملقاة، فحركته فلم يتحرك وزويته فلم ينزو، فقلت: إنا لله وإنا إليه راجعون، مات والله علي ابن أبي طالب.
قال: فأتيت منزله مبادراً أنعاه إليهم، فقالت فاطمة عليها السلام: يا أبا الدرداء، ما كان من شأنه ومن قصته؟ فأخبرتها الخبر، فقالت: هي والله - يا أبا الدرداء - الغشية التي تأخذه من خشية الله، ثم أتوه بماء فنضحوه على وجهه، فأفاق ونظر إلي وأنا أبكي، فقال: مم بكاؤك يا أبا الدرداء؟ فقلت: مما أراه تنزله بنفسك.
فقال: يا أبا الدرداء، فكيف لو رأيتني ودعي بي إلى الحساب، وأيقن أهل الجرائم بالعذاب، واحتوشتني ملائكة غلاظ وزبانية فظاظ! فوقفت بين يدي الملك الجبار، قد أسلمني الأحباء، ورحمني أهل الدنيا، لكنت أشد رحمة لي بين يدي من لا تخفى عليه خافية.
فقال أبو الدرداء : فوالله ما رأيت ذلك لأحد من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وآله).
لقد عظم المعبود في نفس أمير المؤمنين عليه السلام فصارت عبادته تعبيرا عن الحب له والإخلاص إليه واستشعار أهليته للعبادة دون سواه فكانت عبادته عبادة الشاكرين ...هكذا كان علي في شدة تعلقه بالله إنّه ترجمة صادقة لعبادة محمد صلى الله عليه وآله الذي كان يجهد نفسه في العبادة غاية الجهد فعندما سئل عن ذلك قال: ( أفلا أكون عبداً شكورا )
فالسلام على علي يوم ولد ويوم استشهد ويوم يبعث حيّا ...
أسأل الله العلي القدير أن يوفقنا لمراضيه ويجنبنا معاصيه، ويغفر لنا ذنوبنا ويكفر عنا سيئاتنا ويتوفنا مع الأبرار، وأسأله سبحانه وتعالى أن يغفر لنا ولوالدينا ولمن وجب حقه علينا، ولكافة المؤمنين والمؤمنات والمسلمين والمسلمات، الأحياء منهم والأموات، اللهم اجعلنا من المتبعين لكتابك، والسائرين على نهجك واجعل القرآن لنا شافعاً مشفّعاً يوم القيامة إله الحق آمين رب العالمين.
اللهم عذّب كفرة أهل الكتاب والمشركين الذين يصدون عن سبيلك ويجحدون آياتك ويكذبون رسلك ، اللهم خالف بين كلمتهم وألق الرّعب في قلوبهم وأنزل عليهم رجزك ونقمتك وبأسك الذي لا تردّه عن القوم المجرمين .
اللهم انصر جيوش المسلمين وسراياهم ومرابطهم حيث كانوا في مشارق الأرض ومغاربها ، إنك على كل شيء قدير .

عباد الله : { إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْأِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ }  اذكروا الله فإنه ذكر لمن ذكره وسلوه رحمته وفضله فإنه لا يخيب من دعاه ولا يقطع رجاء من رجاه اللهم كن لوليك الحجة بن الحسن صلواتك عليه وعلى آبائه الطاهرين في هذه الساعة وفي كل ساعة وليّاً وحافظاً وقائداً وناصراً ودليلاً وعينا حتى تسكنه أرضك طوعا وتمتعه فيها طويلا ...

 
شارك بتعليقك حول هذا الموضوع
الاسم
التعليق
من
أحرف التأكيد Security Image
 
جميع التعليقات خاضعة للمراقبة ، تجنباً للمشاركات الهدامة !