من حقوق اليتيم في الإسلام               دواء الذنوب - الحلقة الثالثة                دواء الذنوب - الحلقة الثانية               (الحديث الثامن) النميمة               دواء الذنوب - الحلقة الأولى               التوبــــة               (الحديث السابع) الزنا               (الحديث السادس) الكذب .. حرمته .. أثاره .. أنواعه               (الحديث الخامس) الغيبة               ظواهر سلبية               
شبهات وردود
 
 
رد أباطيل عثمان الخميس على حديث الإثني عشر خليفة
شبكة الحقيقة - 2012/02/28 - [عدد القراء : 138]
 
رد أباطيل عثمان الخميس
على حديث الإثني عشر خليفة
قال عثمان الخميس: (يستدلون كثيراً بحديث الإثني عشر، وله ألفاظ عدّة في الصحيحين وغيرهما.
يكون إثنا عشر أميراً كلم من قريش.
لا يزال الإسلام عزيزاً إلى إثني عشر خليفة كلهم من قريش.
لا يزال هذا الدّين عزيزاً منيعاً إلى إثني عشر خليفة.
لا يزال أمر النّاس ماضياً ما وليهم إثنا عشر رجلاً.
لا يزال هذا الدّين قائماً حتى يكون عليهم إثنا عشر خليفة كلهم تجتمع عليه الأمة) (1).
أقول: أولاً: يعتبر حديث الإثني عشر خليفة أو إمام أو أمير من الأحاديث النبويّة الشريفة التي يستند إليها الشيعة الإمامية الإثنا عشرية لإثبات أنَّ عدد خلفاء النبي «صلى الله عليه وآله» على الأمّة من يوم وفاته «صلى الله عليه وآله» وإلى قيام السّاعة هم اثنا عشر إماماً، ففي مسند إمام الحنابلة أحمد بن حنبل روى بسنده عن مسروق أنّه قال: (كنّا جلوساً عند عبد الله بن مسعود وهو يقرئنا القرآن، فقال له رجل: يا أبا عبد الرّحمن هل سألتم رسول الله «صلى الله عليه [وآله] وسلّم» كم تملك هذه الأمة من خليفة ؟
فقال عبد الله بن مسعود: ما سألني عنها أحدٌ منذ قدمت العراق قبلك، ثم قال: نعم، ولقد سألنا رسول الله «صلى الله عليه [وآله] وسلّم» فقال: إثنا عشر، كعدّة نقباء بني إسرائيل) (2).
وفي رواية أخرى عنه رواها بسنده عن مسروق أيضاً قال: ( كنّا مع عبد الله جلوساً في المسجد يقرئنا، فأتاه رجل فقال: يا ابن مسعود هل حدّثكم نبيّكم كم يكون من بعده خليفة؟
قال: نعم، كعدة نقباء بني إسرائيل )(3).
وفي فتح الباري لابن حجر العسقلاني قال: ( ... ما أخرجه أحمد والبزّار من حديث ابن مسعود بسند حسن أنّه سئل كم يملك هذه الأمّة من خليفة؟
فقال: سألنا عنها رسول الله «صلى الله عليه [وآله] وسلّم» فقال: اثنا عشر كعدة نقباء بني إسرائيل) (4).
وقال المباركفوري: ( ... أمّا حديث ابن مسعود فأخرجه أحمد والبزّار بسند حسن أنّه سئل كم يملك هذه الأمّة من خليفة؟ فقال: سألنا عنها رسول الله «صلى الله عليه [وآله] وسلّم» فقال: اثنا عشر كعدة نقباء بني إسرائيل)(5).
وقال ابن حجر الهيثمي: ( وعن ابن مسعود بسند حسن أنّه سئل كم يملك هذه الأمّة من خليفة، فقال: سألنا عنها رسول الله «صلى الله عليه [وآله] وسلّم» فقال: اثنا عشر كعدة نقباء بني إسرائيل)(6).
وقال العاصمي: ( وعن ابن مسعود بسند حسن أنّه سئل كم يملك هذه الأمّة من خليفة، فقال: سألنا عنها رسول الله فقال: اثنا عشر كعدة نقباء بني إسرائيل)(7).
وقال السيوطي: (وعند أحمد والبزار بسند حسن عن ابن مسعود أنّه سئل كم يملك هذه الأمّة من خليفة؟ فقال: سألنا عنها رسول الله «صلى الله عليه [وآله] وسلّم» فقال: اثنا عشر كعدة نقباء بني إسرائيل)(8).
وأخرج مسلم بن الحجاج في صحيحه بسنده عن جابر بن سمرة قال: (دخلت مع أبي على النبي «صلى الله عليه [وآله] وسلّم» فسمعته يقول: إنّ هذا الأمر لا ينقضي حتى يمضي فيهم اثنا عشر خليفة، ثم تكلّم بكلام خفي عليَّ، قال: فقلت لأبي: ما قال؟ قال: كلّهم من قريش) (9).
وفي رواية أخرى أخرجها بسنده عن جابر بن سمرة قال: ( سمعت النبي «صلى الله عليه [وآله] وسلّم» يقول: لا يزال أمر النّاس ماضياً ما وليهم اثنا عشر رجلاً، ثم تكلّم النبي «صلى الله عليه [وآله] وسلّم» بكلمة خفيت عليَّ، فسألت أبي ماذا قال رسول الله «صلى الله عليه [وآله] وسلّم»؟ فقال: كلّهم من قريش)(10).
وروى بسنده عن عامر بن سعد بن أبي وقّاص، قال: (كتبت إلى جابر بن سمرة مع غلامي نافع أن أخبرني بشيءٍ سمعته من رسول الله «صلى الله عليه [وآله] وسلّم»، قال: فكتب إليَّ سمعت رسول الله «صلى الله عليه [وآله] وسلّم» يوم جمعة عشيّة رجم الأسلمي يقول: لا يزال الدّين قائماً حتى تقوم الساعة أو يكون عليكم إثنا عشر خليفة، كلهم من قريش)(11).
وروى أبو يعلى في معجم شيوخه بسنده عن جابر بن سمرة أنّ النبي «صلى الله عليه وآله» قال: ( يكون لهذه الأمّة إثنا عشر قيّماً)(12).
وفي معجمي الطبراني الكبير والأوسط عن جابر بن سمرة أن النبي «صلى الله عليه وآله» قال: (يكون لهذه الأمّة إثنا عشر قيّماً، لا يضرّهم من خذلهم، ثم همس رسول الله «صلى الله عليه [وآله] وسلّم» بكلمة لم أسمعها، فقلت لأبي ما الكلمة التي همس بها النبي «صلى الله عليه [وآله] وسلّم»؟ قال: كلهم من قريش)(13).
وفي المعجم الكبير عنه عن النبي «صلى الله عليه وآله» قال: ( ... إنّ هذا الأمر لن ينقضي ولن ينقضي حتى ينقضي إثنا عشر خليفة ... )(14).
وفي مسند إمام الحنابلة أحمد بن حنبل عن جابر بن سمرة قال: (سمعت النبي «صلى الله عليه [وآله] وسلّم» يقول: يكون لهذه الأمّة إثنا عشر خليفة)(15).
وفي مسند أبي عوانة عن جابر بن سمرة أنّ النبي «صلى الله عليه وآله» قال: ( لا يزال هذا الأمر عزيزاً منيفاً لا يضرّه من ناوأه حتى تقوم الساعة إلى إثني عشر خليفة كلّهم من قريش)(16).
وفيه أيضاً عنه عن النبي «صلى الله عليه وآله» أنّه قال: ( لا يزال هذا الدّين قائماً حتى يقوم إثنا عشر خليفة ...) (17).
فهذه النصوص جميعها تدل على أنّ خلفاء النبي «صلى الله عليه وآله» إثنا عشر خليفة، فرواية ابن مسعود صريحة في أنّ جميع خلفاء النبي «صلى الله عليه وآله» إثنا عشر خليفة كعدة نقباء بني إسرائيل، وأن إمامتهم وولايتهم على الأمّة تمتد من بعد وفاته «صلى الله عليه وآله» وإلى قيام الساعة، فما دامت هذه الأمّة موجودة فإنّه لا بد من وجود واحد من هؤلاء الإثني عشر في كل زمان من وجودها يكون هو الإمام القائم مقام رسول الله «صلى الله عليه وآله» في إدارة أمورها وشؤونها الدينية والدنيوية، فالسائل الذي سأل عبد الله بن مسعود عن عدد الخلفاء لم يسأله عن عددهم في زمان محدد من وجود أمّة محمد «صلى الله عليه وآله» وإنما كان سؤاله عن عددهم على امتداد وجودها، فهو يسأله فيقول له: ( سألتم رسول الله «صلى الله عليه [وآله] وسلّم» كم تملك هذه الأمّة من خليفة؟) فتمعن في قوله: ( كم تملك هذه الأمّة من خليفة) الدال على أن السائل سأله عن عددهم في كل زمان وجود الأمة من بعد وفاته «صلى الله عليه وآله» وإلى يوم القيامة، فأجابه ابن مسعود بقوله: (نعم، كعدة نقباء بني إسرائيل) .
وكذلك نصوص رواية جابر بن سمرة فكما أنّها تدل على أنّ الخلفاء على الأمة اثنا عشر فهي تدل أيضاً على أنَّ مدّة خلافتهم تمتد إلى قيام الساعة، في كل زمان تواجدت فيه أمّة الإسلام وكان دين الإسلام موجوداً باقياً، فالمراد بالدّين والأمر في قوله «صلى الله عليه وآله» في رواية جابر بن سمرة هوالإسلام، ومما لا شك فيه أن دين الإسلام هو خاتم الأديان فهو باق إلى يوم القيامة، والنبي «صلى الله عليه وآله» حدد مدّة هؤلاء الخلفاء الإثني عشر بمدة وجود الإسلام، فدلّ ذلك على أن مدّة إمامتهم وولايتهم تمتد من بعد رحيل النبي الأكرم «صلى الله عليه وآله» إلى الرفيق الأعلى وإلى قيام الساعة.
بل إنّ قوله «صلى الله عليه وآله»: ( يكون لهذه الأمة إثنا عشر قيّماً لا يضرّهم من خذلهم) وقوله «صلى الله عليه وآله»: ( يكون لهذه الأمة إثنا عشر خليفة) لصريح غاية الصراحة في الدلالة على ذلك .
ثانياً: إن في الجمع بين هذا الحديث وحديث الثقلين - الدال على أنّ النبي «صلى الله عليه وآله» خلّف في أمّته كتاب الله عزّ وجل وعترته أهل بيته، والذي أمر فيه بالتمسك بهما معاً وجعل في التمسك بهما جميعاً النجاة من الضلالة - يتبين أنّ هؤلاء الإثني عشر هم من عترة النبي «صلى الله عليه وآله»، لأنّ النبي «صلى الله عليه وآله» لم يوص بالتمسك بأحد مع الكتاب إلاّ بعترته، وحديث الإثني عشر – كما سيأتي بيانه لاحقاً – يدل على وجوب التمسك بالإثني عشر، فدل ذلك على أنّ الإثني عشر هم من عترة النبي «صلى الله عليه وآله» وأن الولاية على الأمّة من بعد وفاته «صلى الله عليه وآله» وإلىقيام الساعة منحصرة فيهم دون غيرهم من سائر أفراد الأمة، وقد صح عندنا أن أمير المؤمنين «عليه السلام» سئل عن معنى قول رسول الله «صلى الله عليه وآله» :إني مخلف فيكم الثقلين، كتاب الله وعترتي من العترة؟ فقال: (أنا والحسن والحسين والأئمة التسعة من ولد الحسين تاسعهم مهديهم وقائمهم، لا يفارقون كتاب الله ولا يفارقهم حتى يردوا على رسول الله «صلى الله عليه وآله» حوضه) (18).
ثالثاً: إنّ ظاهر بعض روايات حديث الإثني عشر أنّ هؤلاء الإثني عشر يملكون الأمر ظاهراً وفعليّاً، ولا تخرج الولاية والخلافة الظاهرية عنهم، والحال أنّه لم يملك منهم الأمر في الظاهر إلاّ الإمام أمير المؤمنين علي بن أبي طالب «عليه السلام» وابنه الإمام السبط الحسن بن علي «عليه السلام» في مدة لا تتجاوز عن الست سنين، وأمّا الإمام الثاني عشر وهو الإمام المهدي القائم في آخر الزمان «عليه السلام» فلم يملك بعد، إذاً فما معنى هذه الأحاديث، وهل الظاهر منها المعنى المذكور أو معنى آخر؟
والجواب على ذلك: أنّ هذه الرّوايات تتضمن الإنشاء والأمر والتنصيب لا الإخبار والإعلام، تماماً كقوله «صلى الله عليه وآله» : (الناس تبع لقريش) فإن جملة الحديث كما صرّح بعض علماء أهل السّنة وإن كانت خبرية لكنّها بمعنىالأمر(19)، أي الإنشاء، ويكون معنى قول النبي «صلى الله عليه وآله» هذا: «ائتمّوا بقريش».
وعليه فإن حديث الإثني عشر يدل على أن الأمر والولاية والإمامة والخلافة الشرعية لهؤلاء الإثني عشر دون غيرهم، وأنّه يجب على الناس الإئتمام بهم وإطاعتهم فهم أولو الأمر القائمون مقامه «صلى الله عليه وآله» على الأمّة.
وسلطة الحكم التي لم يتولاها بعض هؤلاء الأئمة ما هي إلاّ إحدى وظائف منصب الإمامة الكبرى، فكون من له هذا المنصب لم يتمكن من القيام بهذه الوظيفة لأي سبب كان لا يعد ذلك دليلاً على نفي كونه أحد هؤلاء الإثني عشر إذا قام دليل آخر على إمامته وولايته.
رابعاً: يستفاد من قوله «صلى الله عليه وآله»: (لا يزال أمر الناس ماضياً ما وليهم اثنا عشر رجلاً) أنّ النّاس إن رجعوا إلى هؤلاء الإثني عشر وقالوا بإمامتهم ومكّنوهم من القيام بوظائف منصبهم، وأخذوا تعاليم الإسلام وأحكام الدين عنهم، فإن نتيجة ذلك استقامة أمورهم وشؤونهم الدينية والدنيوية، وهذا المعنى يفيد أنّ هؤلاء الإثني في ذواتهم وأنفسهم على خط الاستقامة إذ لو لم يكونوا كذلك لما استطاعوا أن يسلكوا بغيرهم هذا الطريق،لأن فاقد الشيء لا يعطيه وهذا يوحي بعصمتهم «عليهم السلام»، والأدلة قائمة على عصمة الأئمة من أهل البيت «عليهم السلام».
خامساً: وهؤلاء الإثني عشر هم الخلفاء الراشدون الذين أمر النبي «صلى الله عليه وآله» بالأخذ بسنتهم في قوله: (عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين فتمسكوا بها وعضوا عليها بالنواجذ) (20) وليس المراد بهم من يطلق علماء أهل السنة عليهم هذا المصطلح، وهم أبو بكر وعمر وعثمان وعلي، باستثناء أمير المؤمنين علي بن أبي طالب «عليه السلام» فإنّه داخل تحت هذا المفهوم، فلا يوجد عند أهل السّنة حديث صحيح عن رسول الله «صلى الله عليه وآله» يخصصه في هؤلاء الأربعة، إضافة إلى ذلك فإن النبي «صلى الله عليه وآله» قرن في قوله: (فعليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين) سنّته بسنة الخلفاء الراشدين في حث الأمة على الأخذ بهما جميعاً، فكما أن سنته «صلى الله عليه وآله»- وهي قوله وفعله وتقريره- حجة، فكذلك سنة هؤلاءالخلفاء- قولهم وفعلهم وتقريرهم - حجة كجيّة سنته «صلى الله عليه وآله»، الأمر الذي يدل على أن هؤلاء الخلفاء لا يقعون فعله أو قوله أو تقريره في الخطأ ويكون عرضة في كل ذلك إلى مخالفة الشريعة الإسلامية الغراء في أصولها وفروعها وتعاليمها وتوجيهاتها.
ويؤكد هذه الدلالة الأمر منه «صلى الله عليه وآله» للأمة بالعض على سنته وسنة هؤلاء الخلفاء بالنواجذ، فعلمنا من ذلك أنّ سنتهم كسنته «صلى الله عليه وآله» لا يتطرق إليها الخطأ.
ثم أنّه في وصف النبي «صلى الله عليه وآله» لهؤلاء الخلفاء بأنهم مهديون إشعار بعصمتهم أيضاً، فهم مهتدون في أنفسهم هادون لغيرهم ومن كان مهتدياً وهادياً مطلقاً فلا يكون إلاّ معصوما، ولم يثبت بدليل أنّ أبا بكر وعمر وعثمان معصومون ولم يدع أهل السنة - القائلون بأن هؤلاء الثلاثة من الخلفاء الراشدين – لهم العصمة ، فدل ما قدّمناه من أدلة على عصمة الخلفاء الراشدين أنّ الثلاثة المذكورين ليسوا من جملتهم .
وقد بيّنا أن حديث الإثني عشر في بعض ألفاظه يوحي بعصمة هؤلاء الإثني عشر، فدل ذلك أن المراد بالخلفاء الراشدين في قول النبي «صلى الله عليه وآله» السالف هم الأئمة الإثني عشر «عليهم السلام» .
***
 
قال عثمان الخميس: ( الحديث فيه أنّ الدّين يكون عزيزاً فترة خلافتهم ثم يزول هذا العز، فمتى العز؟ ومتى الذّل؟ ) (21).
أقول: أولاً: إنّ غزّة الإسلام المشار إليها في قوله «صلى الله عليه وآله»: (لا يزال الإسلام عزيزاً إلى إثني عشر خليفة كلهم من قريش) إنّما تكون بقيام هؤلاء الإثني عشر- وهم الأئمة من أهل البيت «عليهم السلام» - بوظائف الإمامة والولاية الكبرى على أتم وجه، وهذا مما لم يحصل لهؤلاء الأئمة «عليهم السلام»، فقد سلبت منهم سلطة الحكم، وأوذوا وشرّدوا وقوتلوا وقُتِل بعضهم وحُجّم دورهم القيادي والإرشادي في الأمّة من قبل حكام زمانهم ومن اغتصبوا منهم سلطة الحكم، الأمر الذي ألحق الذل بالإسلام والمسلمين، فعزّة الإسلام والمسلمين تكون بتمكين هؤلاء الإثني عشر من القيام بوظائفهم المنوطة بهم، وذلُّ الإسلام والمسلمين يكون بإقصائهم عن مناصبهم التي جعلها الله لهم وملاحقتهم ومقاتلتهم وتحجيم دورهم في الأمة.
ثانياً: كما أسلفنا أنّ حديث الإثني عشر يدل على أن مدة خلافة هؤلاءالإثني عشر من بعد وفاة النبي «صلى الله عليه وآله» وإلى يوم القيامة، ولا يوجد في هذه الرّوايات ما يدل على انقطاع إمامتهم وولايتهم على الأمّة فيفترة من فترات وجود هذه الأمّة، نعم وجدت في طريق واحد من طرق حديث الإثني عشر من رواية جابر بن سمرة، وهو طريق زهير بن معاوية عن زياد بن خيثمة عن الأسود بن سعيد الهمداني، أن قريشاً بعد أن سمعت حديث الإثني عشر جاءت إلى النبي «صلى الله عليه وآله» في منزله وسألوه ماذا يكون بعد انقضاء مدة هؤلاء الإثني عشر؟ فقال : يكون الهرج، وهذا مما تفرد به زهير بن معاوية عن زياد بن خيثمة عن الأسود بن سعيد الهمداني عن جابر ابن سمرة ولم يرد شيء من ذلك في الطرق الأخرى، فلو صحّ ذلك، فإمّا أن يكون المراد بالهرج هنا أحداث الساعة، أو المراد به ما يحصل من أحداث في الفترة القصيرة جداً من الزمن من بعد وفاة الثاني عشر من هؤلاء الأئمة وإلى قيام الساعة.
***
قال عثمان الخميس: ( الشيعة تقول: لم يكن الإسلام عزيزاً أبداً في خلافة من سبق بل كان أئمتهم مستترين خائفين يتعاملون بالتقية، بل يرون الأمر كان فاسداً زمن أبي بكر وعمر وعثمان بل إن عليّاً عندهم لم يستطع أن يظهر الدّين الصحيح بل كان يعمل بالتقية فما استطاع أن يظهر القرآن الصحيح ولا منع صلاة التراويح ولا أحل زواج المتعة)(22) .
أقول: لقد أثر لنا من كلام أمير المؤمنين علي بن أبي طالب «عليه السلام» ما يصلح أن يكون ردّاً على كلام عثمان الخميس هذا، فعنه «عليه السلام» أنّه قال: (... قد عملت الولاة قبلي أعمالاً خالفوا فيها رسول الله «صلى الله عليه وآله» متعمدين لخلافه، ناقضين لعهده مغيرين لسنته ولو حملت الناس على تركها وحولتها إلى مواضعها وإلى ما كانت في عهد رسول الله «صلى الله عليه وآله» لتفرق عني جندي حتى أبقى وحدي أو قليل من شيعتي الذين عرفوا فضلي وفرض إمامتي من كتاب الله عز وجل وسنة رسول الله «صلى الله عليه وآله» ، أرأيتم لو أمرت بمقام إبراهيم «عليه السلام» فرددته إلى الموضع الذي وضعه فيه رسول الله «صلى الله عليه وآله»، ورددت فدك إلى ورثة فاطمة «عليها السلام» و رددت صاع رسول «صلى الله عليه وآله» كما كان، وأمضيت قطائع أقطعها رسول الله «صلى الله عليه وآله» لأقوام لم تمض لهم ولم تنفذ، ورددت دار جعفر إلى ورثته وهدمتها من المسجد، ورددت قضايا من الجور قضي بها، ونزعت نساءً تحت رجال بغير حق فرددتهن إلى أزواجهن، واستقبلت بهن الحكم في الفروج والأرحام، وسبيت ذراري بني تغلب، ورددت ما قسم منأرض خيبر، ومحوت دواوين العطايا وأعطيت كما كان رسول الله «صلى اللهعليه وآله» يعطي بالسوية ولم أجعلها دولة بين الأغنياء وألقيت المساحة، وسويت بين المناكح، وأنفذت خمس الرسول كما أنزل الله عز وجل وفرضه، ورددت مسجد رسول الله «صلى الله عليه وآله» إلى ما كان عليه، وسددت ما فتح فيه من الأبواب، وفتحت ما سد منه، وحرمت المسح على الخفين، وحددت على النبيذ، وأمرت بإحلال المتعتين، وأمرت بالتكبير على الجنائز خمس تكبيرات، وألزمت الناس الجهر ببسم الله الرحمن الرحيم، وأخرجت من أدخل مع رسول الله «صلى الله عليه وآله» في مسجده ممن كان رسول الله «صلى الله عليه وآله» أخرجه، وأدخلت من اخرج بعد رسول الله «صلى الله عليه وآله» ممن كان رسول الله «صلى الله عليه وآله» أدخله، وحملت الناس على حكم القرآن وعلى الطلاق على السنة، وأخذت الصدقات على أصنافها وحدودها، ورددت الوضوء والغسل والصلاة إلى مواقيتها وشرائعها ومواضعها، ورددت أهل نجران إلى مواضعهم، ورددت سبايا فارس وسائر الأمم إلى كتاب الله وسنة نبيه «صلى الله عليه وآله» إذا لتفرقوا عني والله لقد أمرت الناس أن لا يجتمعوا في شهر رمضان إلاّ في فريضة وأعلمتهم أن اجتماعهم في النوافل بدعة فتنادى بعض أهل عسكري ممن يقاتل معي: يا أهل الإسلام غيرت سنة عمر ينهانا عن الصلاة في شهر رمضان تطوّعاً ولقد خفت أن يثوروا في ناحية جانب عسكري ... ) (23).
ثم إنّ الشيعة لا يقولون بأن القرآن الموجود المتداول غير صحيح، وأن القرآن الصحيح كان عند أمير المؤمنين علي بن أبي طالب «عليه السلام»، ولم يؤثر شيء من ذلك عن واحد من أئمتهم الطاهرين «عليهم السلام»، نعم ما يقوله الشيعة والسنة أن مصحف أمير المؤمنين «عليه السلام» كان مرتباً حسب النزول، وينفرد الشيعة بالقول أن مصحفه «عليه السلام» كان يتضمّن تفسيراً للقرآن أخذه عن رسول الله «صلى الله عليه وآله» .
***
 
قال عثمان الخميس: (الحديث ليس فيه حصر لعدد الأئمة بل هو خبر أنّ الدين يكون عزيزاً وقت حكمهم ).
وقال أيضاً: (ولاية المنتظر إلى يوم القيامة فمتى يكون عز ومتى يكون ضعف؟)(24).
أقول: لقد أوضحنا هذه المسألة فيما سبق وبيّنا من ألفاظ الحديث أنّه صريح في حصر عدد خلفاء النبي «صلى الله عليه وآله» في اثني عشر خليفةوأن مدّة خلافتهم على الأمّة تبدأ منذ وفاة النبي «صلى الله عليه وآله» وإلى قيام الساعة، ونزيد ذلك بياناً وتوضيحاً فنقول: أن النبي «صلى الله عليه وآله» قال: (لا يزال هذا الأمر عزيزاً منيفاً لا يضرّه من ناوأه حتى تقوم الساعة إلى اثني عشر خليفة كلهم من قريش)، وواضح أن المراد بالأمر هو الإسلام، وأنّه يكون عزيزاً إلى يوم القيامة لا يضره عداوة من عاداه ولا كيد من كاده، وأن خلفاءه «صلى الله عليه وآله» إلى يوم القيامة عددهم إثنا عشر خليفة، ومثله في الدلالة قوله صلى الله عليه وآله: (لا يزال الدّين قائماً حتى تقوم الساعة أو يكون عليكم إثنا عشر خليفة كلهم من قريش)، وقوله «صلى الله عليه وآله» : (لا يزال هذا الدّين عزيزاً منيعاً إلى اثني عشر خليفة كلهم من قريش ) فيكون معنى هذه النصوص لحديث الإثني عشر أن الإسلام سيكون عزيزاً غاية العزّة وقائماً تمام القيام إلى يوم القيامة فيما إذا تمكن هؤلاء الخلفاء الإثني عشر من القيام بوظائف الإمامة كاملة دون أن يعيقهم عن ذلك عائق، أما إذا لم يتمكنوا من القيام بها وكانت هناك موانع من القيام بها كاملة وعلى الوجه الأتم فإنه لا عزّة للإسلام.
***
قال عثمان الخميس: (قول النبي «صلى الله عليه [وآله] وسلّم»: «كلهم من قريش» يستبعد معه أنّه يريد عليّاً وأولاده، بل لو قال من ولد إسماعيل لادّعاها الشيعة كذلك بأن أئمتهم من أولاد إسماعيل) (25) .
أقوال: لا أرى أيَّ وجه صحيح لهذا الاستبعاد، أليس علي وأولاده من قريش؟!
ثم أنَّ عثمان الخميس لم يأت بدليل واحد يؤيد به هذا الاستبعاد وإنما كلامه دعوى بلا دليل، أمّا قول الشيعة بأن المراد بهم الأئمة الإثني عشر من عترة الرسول فلهم على ذلك أدلة عديدة، ومنها حديث الثقلين الدال على أن النبي «صلى الله عليه وآله» خلّف في أمّته الكتاب والعترة وأمر بالتمسك بهما جميعاً ولم نجد في حديث صحيح متفق على روايته عند الفريقين أنّ النبي «صلى الله عليه وآله» أمر بالتمسك بأحد من قريش غير عترته، فدل ذلك على أنّهم «عليهم السلام» هم الأئمة الإثني عشر، فالشيعة ليسوا بأصحاب مزاجية وهوى حتى يقولوا بإمامة وولاية وخلافة من لم يثبت له ذلك عندهم بالدليل والبرهان.
***
قال عثمان الخميس: (جاء في الصحيح: «في أمّتي اثنا عشر منافقاً» فالعدد لا عبرة به) (26)
أقول : كلامه هذا ينبئ عن إفلاسه عن سوق الأدلة التي يرد بها أدلة الشيعة الإمامية الإثني عشرية الدالّة على انحصار خلافة النبي «صلى الله عليه وآله» وإمامة المسلمين والولاية عليهم إلى قيام الساعة في اثني عشر إماماً من عترة النبي الأكرم «صلى الله عليه وآله»، فيأتي بما ليس بناقض لأدلتهمويطرحه للقارئ على أنّه ردٌ عليهم ونقض لأدلتهم وهو في واقعه ليس كذلك، بهدف تكثير الردود لإيهام القارئ أنّ الردود على الشيعة في دعواهم المذكورة عديدة ومتنوعة، وهذا ديدن المغالطين والمرجفين والمدلسين.
***
 
قال عثمان الخميس: ( جاء القرآن الكريم بذكر الرّسل ورسالاتهم، ولم يتطرّق للأئمة مع أنّهم أفضل وأهم من الرّسل عندهم) (27).
أقول: إن عدم ذكر أسماء الأئمة الطاهرين في القرآن الكريم لا يصلح أن يكون دليلاً لدفع الأدلة القائمة والنصوص العديدة الصادرة من النبي الدالةعلى أنّ خلفاءه «صلى الله عليه وآله» اثنا عشر إلى يوم القيامة وأنّهم من عترته وأهل بيته وأنّ الإمام عليّاً «عليه السلام» أوّلهم والمهدي عجل الله تعالى فرجه الشريف آخرهم (28)، لأن قول النبي «صلى الله عليه وآله» حجة كقول الله تعالى، فهو لا ينطق عن الهوى إن هو إلاّ وحي يوحى، وقد أمر الله تعالى بإتباع قوله «صلى الله عليه وآله» فقال تعالى : {وَمَا آَتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا}(29)، إلاّ إذا كان عثمان الخميس يرفض كلام رسول الله «صلى الله عليه وآله» برمّته ويرده ولا يقبله وحينها يكون لنا معه كلام آخر.
***
قال عثمان الخميس: ( لم قبل عليٌّ بالشّورى وتنازل الحسن لمعاوية وبايع الحسين لمعاوية، وبايع جميع أئمتهم للخلفاء) (30) .
أقول: أولاً: إنّ قبول الإمام علي «عليه السلام» بالدّخول في الشّورى ليس فيه دلالة على عدم النّص عليه وعلى الأئمة من ولده بالإمامة، وليس فيه إقرار منه لمبدأ الشورى على أنّه المبدأ الشرعي في اختيار الإمام والخليفةالقائم مقام رسول الله «صلى الله عليه وآله»، وإنّما كان دخوله فيها وسيلة للوصول إلى منصب سلطة الحكم وهو المنصب الذي أخذ منه عنوة وبغير وجه حق.
ثانياً: إنّ عقيدة الشيعة في الإمام أنّه القائم بجميع وظائف النبي «صلى الله عليه وآله» بعد موته عدا وظيفة تلقي التشريع الإلهي وتبليغه للناس، فهذه الوظيفة قام بها النبي «صلى الله عليه وآله» في حياته واكتمل الدّين والتشريع الإلهي قبل أن ينتقل صلوات الله وسلامه عليه إلى ربّه، أمّا بقية الوظائف الأخرى فإن الإمام القائم مقام رسول الله «صلى الله عليه وآله» هو من يشغلها، ومن جملة هذه الوظائف وظيفة سلطة الحكم، وهي – أي وظيفة الحكم – التي تنازل عنها الإمام الحسن «عليه السلام» وصالح عليها معاوية ابن أبي سفيان وذلك حين ألجأته الظروف والأسباب لذلك مراعاة لمصلحة أهم ودفعاً لضرر محتمل أكبر، فلم يتنازل الإمام الحسن «عليه السلام» لمعاوية عن منصب الإمامة والولاية الكبرى وبكامل وظائفه، بل لا يحق له التنازل عنه لأن الاختيار لهذا المنصب لا يكون إلاّ من قبل الله وبأمره، وعليه فلا يكون تنازله «عليه السلام» عن سلطة الحكم دليلاً على عدم النّص عليه أو على غيره من سائر الأئمة الطاهرين «عليهم السلام».
ثالثاً: لم يبايع أحدٌ من أئمة أهل البيت «عليهم السلام» أحداً ممن استولوا على سلطة الحكم وتحكّموا في رقاب المسلمين، وسمّوا بالخلفاء، وما حصل من الإمام علي والإمام الحسن «عليهما السلام» هو مجرد التنازل والمصالحة رعاية لمصلحة الإسلام والمسلمين، ولم يصح عند الشيعة أن الإمام الحسين «عليه السلام» بايع معاوية، وإن كان ورد ذلك في روايات أهل السنة فهي ليست بحجة على الشيعة، وكذلك سائر الأئمة الطاهرين «عليهم السلام» لم يؤثر من طريق صحيح أنّ واحداً منهم بايع حاكماً من حكام زمانه. 
***
قال عثمان الخميس: (كيف يكون الحديث نصّاً على علي، والنصوص عن علي تنافي ذلك كما في نهج البلاغة.
«وأنا لكم وزيراً خير لكم مني أمير»
لمّا تولّى علي الخلافة لم يدّع نصّاً بل ذكر أنّهم حملوه عليها:
«إنما الشورى للمهاجرين والأنصار فإن اجتمعوا على رجل وسمّوه إماماً كان ذلك لله رضى» )(31).
أقول: أولاً : إنّ الإمام علي والأئمة من ولده كانوا يروون أنّ خلافة النبي«صلى الله عليه وآله» وقيادة الأمة من بعده في أمورها وشؤونها الدينية والدنيوية هي حقهم الخاص بتعيين من الله ورسوله لهم ، وليس لأبي بكر ولا عمر ولا عثمان ولا غيرهم من سائر الناس فيها حصة ولا نصيب، والنصوص عنهم في ذلك كثيرة ، فعن الإمام علي «عليه السلام» أنّه قال : (أما والله لقد تقمّصها ابن أبي قحافة، وإنه ليعلم أن محلّي منها محل القطب من الرّحى ينحدر عني السيل ، ولا يرقى إليّ الطير ، فسدلت دونها ثوباً وطويت عنها كشحاً وطفقت برهة أرتئي بين أن أصول بيد جذاء أو أصبر على طخية عمياء ، يهرم فيها الكبير ويشيب فيها الصغير ، ويكدح فيها مؤمن حتى يلقى ربّه ! .
فرأيت أن الصّبر على هاتا أحجى ، فصبرت وفي العين قذى وفي الحلق شجا أرى تراثي نهباً .
حتى مضى الأول لسبيله فأدلى بها إلى فلان بعده .
شتان ما يومي على كورها 
 ***
ويــوم حيـــان أخـي جابر
فيا عجباً بينا هو يستقيلها في حياته ، إذ عقدها لآخر بعد وفاته !!! .
لشدّما تشطّرا ضرعيها !! .
فصيّرها في حوزة خشناء يلغظ كلمها ، ويخشن مسّها ويكثر العثار فيها ويقل الإعتذار منها .
فصاحبها كراكب الصعبة إن أشنق لها خرم ، وإن أسلس لها تقحّم ، فمني الناس فيها لعمر الله بخبط وشماس وتلوّن واعتراض ، فصبرت على طول المدة وشدّة المحنة .
حتى إذا مضى لسبيله جعلها شورى في جماعة زعم أني أحدهم فيا لله لهم وللشورى متى اعترض الريب فيّ مع الأول منهم حتى صرت الآن أقرن إلى هذه النظائر !!! .
لكني أسففت إذ أسفوا وطرت إذ طاروا ، فصغا رجل منهم لضغنه، ومال الآخر لصهره، مع هن وهن .
إلى أن قام ثالث القوم نافخاً حضنيه بين نثيله ومعتلفه ، وقام معه بنو أبيه يخضمون مال الله – تعالى – خضم الإبل نبتة الربيع .
إلى أن انتكث عليه فتله ، وأجهز عليه عمله ، وكبت به بطنته .
فما راعني إلاّ والناس إليّ كعرف الضبع ينثالون عليّ من كل وجه وجانب حتى لقد وطئ الحسنان وشق عطفاي ، مجتمعين حولي كربيضة الغنم ، فمانهضت بالأمر نكـثت طائفـة ومرقت أخـرى وقسط آخرون ، كأنهم لم يسمعوا الله – سبحانه وتعالى – يقول : {تِلْكَ الدَّارُ اْلآخِرَةُ نَجْعَلُهَا لِلَّذِينَ لاَ يُرِيدُونَ عُلُوّاً فِي اْلأَرْضِ وَلاَ فَسَاداً وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ} (32).
بلى والله لقد سمعوها ، ووعوها ولكنهم حليت الدّنيا في أعينهم وراقهم زبرجها.
أما والذي فلق الحبة وبرأ النسمة، لولا حضور الحاضر وقيام الحجة بوجود الناصر، وما أخذ الله – تعالى – على العلماء أن لا يقارّوا على كظة ظالم ولا سغب مظلوم لألقيت حبلها على غاربها ، ولسقيت آخرها بكأس أوّلها، ولألفيتم دنياكم هذه أزهد عندي من عفطة عنز)(33).
وروي أن علياً «عليه السلام» أتي به إلى أبي بكر وهو يقول : ( أنا عبد الله وأخو رسوله) .
فقيل له بايع أبا بكر فقال:( أنا أحق بهذا الأمر منكم، لا أبايعكم، وأنتم أولى بالبيعة لي أخذتم هذا الأمر من الأنصار، واحتججتم عليهم بالقرابة من النبي «صلى الله عليه وآله» وتأخذونه منّا أهل البيت غصباً ؟ ألستم زعمتم للأنصار أنكم أولى بهذا الأمر منهم لمّا كان محمد منكم فأعطوكم المقادة، وسلّموا إليكم الإمارة، وأنا أحتج عليكم بمثل ما احتججتم به على الأنصار، نحن أولى برسول الله حيّاً وميّتاً، فأنصفونا إن كنتم مؤمنين، وإلاّ فبوؤا بالظلم وأنتم تعلمون .
فقال عمر : إنك لست متروكاً حتى تبايع!!
فقال له علي: احلب حلباً لك شطره، واشدد له اليوم أمره يردده عليك غداً، ثم قال: والله يا عمر لا أقبل قولك ، ولا أبايعه ... )! .
إلى أن قال : ( الله الله يا معشر المهاجرين ، لا تخرجوا سلطان محمد في العرب عن داره وقعر بيته إلى دوركم وقعر بيوتكم ولا تدفعوا أهله عن مقامه في الناس وحقه ، فو الله يا معشر المهاجرين لنحن أحق الناس به ، لأنّا أهل البيت ونحن أحق بهذا الأمر منكم ، إنا كان فينا القارئ لكـتاب الله ، الفقيه في دين الله، العالم بسنن رسول الله، المضطلع بأمر الرعية ، المدافع عنهم الأمور السيئة القاسم بينهم بالسوية، والله إنه لفينا، فلا تتبعوا الهوى فتضلوا عن سبيل الله فتزدادوا من الحق بعداً ) (34).
ومن كلام له «عليه السلام» قال: (لقد علمتم أني أحق الناس بها من غيري والله لأسلمّن ما سلمت أمور المسلمين، ولم يكن فيها جور إلاّ عليّ خاصة، التماساً لأجر ذلك وفضله، وزهداً فيما تنافستموه من زخرفه وزبرجه)(35) .
وقوله «عليه السلام»: (اللهم إني أستعديك على قريش ومن أعانهم، فإنهم قد قطعوا رحمي وأكفئوا إنائي ، وأجمعوا على منازعتي حقّاً كنت أولى به من غيري ، وقالوا ألا إن في الحقأن تمنعه ، فاصبر مغموماً أو مت متأسفاً .
فنظرت فإذا ليس لي رافدٌ، ولا ذابٌ ولا مساعدٌ إلاّ أهل بيتي، فضننت بهم عن المنية فأغضيت على القذى، وجرعت ريقي على الشّجا، وصبرت من كظم الغيظ على أمرّ من العلقم وآلم للقلب من وخز الشفار )(36).
وقـال «عليه السلام»: ( وقد قال قائل: إنك على هذا الأمـر يا ابن أبي طالب لحريص، فقلت: بل أنتم والله لأحرص وأبعد، وأنا أخصُّ وأقرب، وإنما طلبت حقاً لي، وأنتم تحولون بيني وبينه وتضربون وجهي دونه، فلما قرّعته بالحجة في الملأ الحاضرين هبّ كأنه بهت لا يدري ما يجيبني به)(37) .
وقال «عليه السلام»: ( فإن الله سبحانه بعث محمداً «صلى الله عليه وآله» نذيراً للعالمين، ومهيمناً على المرسلين، فلما مضى «صلى الله عليه وآله» تنازع المسلمون الأمر من بعده، فو الله ما كان يلقى في روعي ولا يخطر ببالي أن العرب تزعج هذا الأمر من بعده «صلى الله عليه وآله» عن أهل بيته، ولا أنهم منحوّه عني بعده، فما راعني إلاّ انثيال الناس على فلان يبايعونه، فأمسكت بيدي حتى رأيت راجعت الناس عن الإسلام يدعون إلى محق دين محمد «صلى الله عليه وآله» فخشيت إن لم أنصر الإسلام وأهله أن أرى فيه ثلماً أو هدماً تكون المصيبة به عليّ أعظم من فوت ولايتكم التي هي متاع أيام قلائل، يزول منها ما كان كما يزول السراب، أو كما يتقشع السّحاب، فنهضت في تلك الأحداث حتى زاح الباطل وزهق، واطمأن الدين وتنهنه)(38).
وقال «عليه السلام»: (أين الذين زعموا أنهم الراسخون في العلم دوننا؟ كذباً وبغياً علينا أن رفعنا الله ووضعهم، وأعطانا الله وحرمهم، وأدخلنا وأخرجهم، بنا يستعطى الهدى، ويستجلى العمى، إن الأئمة من قريش غرسوا في هذا البطن من هاشم لا تصلح على من سواهم ولا تصلح الولاة من غيرهم)(39) .
وقال «عليه السلام» بعد البيعة له: ( لا يقاس بآل محمد «صلى الله عليه وآله» من هذه الأمة أحدٌ، ولا يسوّى بهم من جرت نعمتهم عليه أبداً، هم أساس الدين، وعماد اليقين، إليهم يفئ الغالي، وبهم يلحق التالي، ولهم خصائص حق الولاية، وفيهم الوصية والوراثة، الآن إذ رجع الحق إلى أهله، ونقل إلى منتقله)(40) .
وقال «عليه السلام» : ( اللهم فاجز قريش عني الجوازي، فقد قطعت رحمي، وتظاهرت عليّ، ودفعتني عن حقّي، سلبتني سلطان ابن أمي، وسلّمت ذلك إلى من ليس مثلي في قرابتي من الرسول، وسابقتي في الإسلام إلاّ أن يدعي مدع ما لا أعرفه، ولا أظن الله يعرفه، والحمد لله على كل حال)(41).
وقال «عليه السلام» : ( أما والذي فلق الحبة وبرأ النسمة ، أنه لعهد النبي الأمي إليّ أن الأمة ستغدر بك من بعدي )(42).
وقال «عليه السلام» : ( فإنه لما قبض الله نبيه «صلى الله عليه وآله» قلنا: نحن أهله وورثته وعترته، وأولياؤه دون الناس لا ينازعنا سلطانه أحد، ولا يطمع في حقنا طامع، إذ انبرى لنا قومنا فغصبونا سلطان نبينا، فصارت الإمرة لغيرنا وصرنا سوقة، يطمع فينا الضعيف، ويتعزز علينا الذليل، فبكت الأعين منا لذلك، وخشيت الصدور، وجزعت النفوس، وأيم الله لولا مخافة الفرقة بين المسلمين، وأن يعود الكفر ويبور الدين، لكنا على غير ما كنا عليه)(43).
وعن الصحابي الجليل أبي الطفيل عامر بن واثلة قال: كنت على الباب يوم الشورى فارتفعت الأصوات بينهم فسمعت علياً «عليه السلام» يقول: (بايع الناس أبا بكر وأنا والله أولى بالأمر منه وأحق به منه ، فسمعت وأطعت مخافة أن يرجع الناس كفاراً يضرب بعضهم رقاب بعض بالسيف ، ثم أنتم تريدون أن تبايعوا عثمان ؟!!!
إذاً لا أسمع ولا أطيع وإن عمر جعلني من خمسة نفرٍ أنا سادسهم لا يعرف لي فضلاً عليهم في الصلاح ولا يعرفونه لي كلّنا في شرع سواء ، وأيم الله لو أشاء أن أتكلم ثم لا يستطيع عربيّهم ولا أعجميهم ولا معاهدٌ منهم ولا المشرك ردّ خصلة منها لفعلت )(44) .
وقال الإمام الحسن «عليه السلام» بعد الصلح مع معاوية: (إنّ معاوية نازعني حقّاً هو لي دونه، فنظرت لصلاح الأمّة وقطع الفتنة) إلى أن قال:(ورأيت أنّ حقن الدماء خير من سفكها، ولم أرد بذلك إلاّ صلاحكم وبقاءكم)(45) .
وقال الإمام علي بن الحسين «عليه السلام» : ( أصبحنا في قومنا بمنزلة بني إسرائيل في آل فرعون إذ كانوا يذبحون أبناءهم ويستحيون نساءهم، وأصبح شيخنا وسيدنا يُتقرب إلى عدونا بشتمه أو سبه على المنابر، وأصبحت قريش تعد أن لها الفضل على العرب لأن محمداً «صلى الله عليه وآله» منها لا يعد لها فضل إلاّ به، وأصبحت العرب مقرة لهم بذلك وأصبحت العرب تعد أن لها الفضل على العجم لأن محمداً «صلى الله عليه وآله» منها لا يعد لها فضل إلاّ به وأصبحت العجم مقرة لهم بذلك، فلئن كانت العرب صدقت أن لها الفضل على العجم، وصدقت قريش أن لها الفضل على العرب لأن محمداً «صلى الله عليه وآله» منها، إنّلنا أهل البيت الفضل على قريش لأن محمداً «صلى الله عليه وآله» منا فأصبحوا يأخذون بحقنا ولا يعرفون لنا حقاً )(46) .
وقال الإمام الباقر «عليه السلام» : ( إنّ النبي «صلى الله عليه وآله» قبضوقد أخبرنا أنا أولى الناس بالنّاس، فمالأت علينا قريش حتى أخرجت الأمر عن معدنه، واحتجت على الأنصار بحقّنا وحجتنا، ثم تداولتها قريش واحداً بعد واحد )(47) .
وفي رواية صحيحة عن الإمام الصادق «عليه السلام» أنّه قال: (مضى رسول الله «صلى الله عليه وآله» وخلف في أمته كتاب الله ووصيه علي بن أبي طالب «عليه السلام» أمير المؤمنين وإمام المتقين وحبل الله المتين والعروة الوثقى التي لا انفصام لها وعهده المؤكد، صاحبان مؤتلفان يشهد كل واحد لصاحبه بتصديق ينطق الإمام من الله عز وجل في الكتاب بما أوجب فيه على العباد من طاعة الله و طاعة الإمام وولايته ، وأوجب حقه الذي أراد الله عز وجل من استكمال دينه وإظهار أمره والاحتجاج بحجته والاستضاءة بنوره، في معادن أهل صفوته ومصطفى أهل خيرته قد أوضح الله بأئمة الهدى من أهل بيت نبينا عن دينه، وأبلج بهم عن سبيل منهاجه، وفتح بهم عن باطن ينابيع علمه، فمن عرف من أمة محمد «صلى الله عليه وآله» واجب حق إمامه وجد طعم حلاوة إيمانه، وعلم فضل طلاقة إسلامه، لأنّ الله ورسوله نصبا الإمام علماً لخلقه، وحجة على أهل عالمه، ألبسه الله تاج الوقار، وغشاه مننور الجبار، يمد بسبب إلى السماء لا ينقطع عنه موارده، ولا ينال ما عند الله تبارك وتعالى إلاّ بجهد أسباب سبيله، ولا يقبل الله أعمال العباد إلاّ بمعرفته، فهو عالم بما يرد من ملتبسات الوحي، ومعميات السنن، ومشتبهات الفتن، ولم يكن الله ليضل قوماً بعد إذ هداهم حتى يبين لهم ما يتقون، وتكون الحجة من الله على العباد بالغة)(48).
وروى العلامة الصفار «رحمه الله» في بصائر الدرجات بسند صحيح فقال: (حدثنا يعقوب بن يزيد، عن ابن أبي عمير، عن سيف بن عميرة، عن أبي الصباح الكناني، قال: قال أبو عبد الله: يا أبا الصباح نحن قوم فرض الله طاعتنا، لنا الأنفال وصفو المال، ونحن الراسخون في العلم، ونحن المحسودون الذين قال الله: {أَمْ يَحْسُدُونَ النَّاسَ عَلَى مَا آتَاهُمُ اللهُ مِنْ فَضْلِهِ}(49) )(50).
وروى الشيخ الصدوق «رحمه الله» بسند صحيح فقال: ( حدثنا أبي «رضي الله عنه»، قال: حدثنا محمد بن الحسين بن أبي الخطاب، عن عبد الله ابن محمد الحجال، عن حمّاد بن عثمان، عن أبي بصير، عن أبي جعفر «عليه السلام» في قول الله عزّ وجل: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ}(51)، قال : الأئمة من ولد علي وفاطمة «عليهما السلام» إلى أن تقوم الساعة)(52).
وروى الشيخ الصدوق «رحمه الله» بسند صحيح فقال: (حدثنا محمد بن الحسن «رحمه الله» قال: حدثنا عبد الله بن جعفر الحميري، قال: حدثنا هارون بن مسلم، عن أبي الحسن الليثي، قال: حدثني جعفر بن محمد، عن آبائه «عليهم السلام» : أن النبي «صلى الله عليه وآله» قال: إن في كل خلف من أمتي عدلاً من أهل بيتي، ينفي عن هذا الدين تحريف الغالين، وانتحال المبطلين، وتأويل الجاهلين، وإن أئمتكم قادتكم إلى الله عز وجل فانظروا بمن تقتدون في دينكم وصلاتكم )(53).
وروى العلامة الصفار «رحمه الله» بسند صحيح فقال: ( حدثنا محمد بن عبد الجبار، عن البرقي، عن فضالة بن أيوب، عن عبد الله بن أبي يعفور، قال: قال لي أبو عبد الله «عليه السلام»: يا ابن أبي يعفور إنّ الله تبارك وتعالىواحدٌ متوحدٌ بالوحدانية، متفرد بأمره، فخلق خلقاً ففردهم لذلك الأمر، فنحن هم، يا ابن أبي يعفور فنحن حجج الله في عباده، وشهداؤه في خلقه، وأمنائه وخزانه على علمه، والداعون إلى سبيله، و القائمون بذلك، فمن أطاعنا فقد أطاع الله)(54).
وروى ثقة الإسلام العلامة الكليني «رحمه الله» بسند صحيح فقال: ( علي ابن إبراهيم، عن أبيه، عن ابن أبي عمير، عن ابن أذينة، عن بريد العجلي، عن أبي جعفر «عليه السلام» في قول الله عزّ وجل: { إِنَّمَا أَنْتَ مُنْذِرٌ وَلِكُلِّ قَوْمٍ هَادٍ}(55)، فقال: رسول الله «صلى الله عليه وآله» المنذر، ولكل زمان منّا هاد يهديهم إلى ما جاء به نبي الله «صلى الله عليه وآله»، ثم الهداة من بعده، علي، ثم الأوصياء واحد بعد واحد )(56) .
وروي في الكافي أيضاً بسند صحيح فقال: (علي بن إبراهيم، عن أبيه، وأبو علي الأشعري، عن محمد بن عبد الجبار جميعاً، عن صفوان، عن عمرو ابن حريث قال: دخلت على أبي عبد الله «عليه السلام» وهو في منزل أخيه عبد الله بن محمد فقلت له: جعلت فداك ما حولك إلى هذا المنزل؟ قال :طلب النزهة فقلت: جعلت فداك ألا أقص عليك ديني؟ فقال: بلى ، قلت: أدين الله بشهادة أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأن محمداً عبده ورسوله وأن الساعة آتية لا ريب فيها وأن الله يبعث من في القبور وإقام الصلاة وإيتاء الزكاة وصوم شهر رمضان وحج البيت والولاية لعلي أمير المؤمنين بعد رسول الله «صلى الله عليه وآله» والولاية للحسن والحسين والولاية لعلي بن الحسين والولاية لمحمد بن علي ولك من بعده صلوات الله عليهم أجمعين وأنكم أئمتي عليه أحيا وعليه أموت وأدين الله به .
فقال: يا عمرو هذا والله دين الله ودين آبائي الذي أدين الله به في السر والعلانية فاتق الله وكف لسانك إلاّ من خير ، ولا تقل إني هديت نفسي بل الله هداك ، فأد شكر ما أنعم الله عز وجل به عليك ، ولا تكن ممن إذا أقبل طعن في عينه وإذا أدبر طعن في قفاه ، ولا تحمل الناس على كاهلك فإنك أوشك إن حملت الناس على كاهلك أن يصدعوا شعب كاهلك ) (57) .
وروى في الكافي بسند صحيح أو موثق فقال: ( علي بن إبراهيم، عن محمد ابن عيسى، عن يونس، عن حماد بن عثمان، عن عيسى بن السري، قال: قلت لأبي عبد الله «عليه السلام»: حدثني عما بنيت عليه دعائم الإسلام إذا أناأخذت بها زكى عملي ولم يضرني جهل ما جهلت بعده ، فقال : شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله «صلى الله عليه وآله» والإقرار بما جاء به من عندالله وحق في الأموال من الزكاة، والولاية التي أمر الله عز وجل بها ولاية آل محمد «صلى الله عليه وآله»، فإن رسول الله «صلى الله عليه وآله» قال: من مات ولا يعرف إمامه مات ميتة جاهلية، قال الله عز وجل: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ }(58) فكان علي «عليه السلام»، ثم صار من بعده حسن، ثم من بعده حسين، ثم من بعده علي بن الحسين، ثم من بعده محمد بن علي، ثم هكذا يكون الأمر، إن الأرض لا تصلح إلاّ بإمام، ومن مات لا يعرف إمامه مات ميتة جاهلية، وأحوج ما يكون أحـدكم إلى معرفته إذا بلغت نفسـه ههنا - قال: وأهوى بيده إلى صدره - يقول حينئذ: لقد كنت على أمر حسن)(59) .
وروى الشيخ المفيد «رحمه الله» في كتابه الأمالي بسند صحيح فقال : (أخبرني أبو القاسم جعفر بن محمد، عن أبيه، عن سعد بن عبد الله، عن أحمد ابن محمد بن عيسى، عن الحسن بن محبوب، عن هشام، عن مرازم، عنالصادق جعفر بن محمد «عليهما السلام» قال: قال رسول الله «صلى الله عليه وآله»: ما بال أقوام من أمتي إذا ذكر عندهم إبراهيم وآل إبراهيم استبشرت قلوبهم، وتهللت وجوههم، وإذا ذكرت وأهل بيتي اشمأزت قلوبهم، وكلحت وجوههم ؟!
والذي بعثني بالحق نبياً لو أن رجلاً لقي الله بعمل سبعين نبياً ثم لم يأت بولاية أولي الأمر منا أهل البيت ما قبل الله منه صرفاً ولا عدلاً)(60).
وفي الكافي بسند صحيح أو موثق عن سعيد بن يسار قال : (استأذنا على أبي عبد الله «عليه السلام» أنا والحارث بن المغيرة النصري ومنصور الصيقل، فواعدنا دار طاهر مولاه، فصلينا العصر ثم رحنا إليه، فوجدنا متكئاً على سرير قريب من الأرض فجلسنا حوله، ثم استوى جالساً ، ثم أرسل رجليه حتى وضع قدميه على الأرض ثم قال: الحمد لله الذي ذهب الناس يميناً و شمالاً فرقة مرجئة وفرقة خوارج وفرقة قدرية وسميتم أنتم الترابية، ثم قال بيمين منه: أما والله ما هو إلاّ الله وحده لا شريك له ورسوله وآل رسوله «صلى الله عليه وآله» وشيـعتهم كـرم الله وجوهـهم، وما كان سـوى ذلك فـلا ، كان عليُّ والله أولى الناس بالناس بعد رسول الله «صلى الله عليه وآله»- يقولها ثلاثا-)(61).
وقال الإمام الحسن «عليه السلام»: ( أيّها الناس إنّ معاوية زعم أنّي رأيته للخلافة أهلاً ولم أر نفسي لها أهلاً وكذب معاوية، ونحن أولى الناس بالناس في كتاب الله وعلى لسان نبي الله)(62).
والنصوص عنهم «عليهم السلام» في هذا المجال كثيرة، ومن كل ما سردناه من أقوال لبعضهم «عليهم السلام» يظهر أنهم كانوا يروون أنهم ولاة الأمر وقادة الأمة من بعد رسول الله «صلى الله عليه وآله»، وأن الولاية والإمرة عليها لهم وحقهم، وهذا يبطل دعوى عثمان الخميس أنّ النصوص عن علي «عليه السلام» تنافي النص.
ثانياً: إنّ القول المنسوب لأمير المؤمنين علي بن أبي طالب «عليه السلام» (فأنا لكم وزيراً خير لكم مني أميراً) لا يختص بمنصب الإمامة الكبرى والولاية العظمى، لأنّها منصب إلهي، وقد أعطاه الله عزّ وجل لأمير المؤمنين «عليه السلام» بنص رسول الله صلى الله عليه وآله عليه كما هو واضح من الأدلة العديدة التي مرّت في هذا الكتاب، كأحاديث الغدير والولاية والمنزلةوالثقلين وغيرها، وإنّما هو خاص بالخلافة والولاية بمعنى حق ممارسة سلطة الحكم الذي هو أحد فروع الإمامة والولاية الكبرى.
ثم إن عثمان الخميس لم ينقل نص كلام الإمام «عليه السلام» كاملاً، وإنما مارس فيه التقطيع والبتر كعادته، وهذا من تزويره وتدليسه، فنص الكلام المنسوب إليه كاملاً هو: (دعوني والتمسوا غيري فإنّا مستقبلون أمراً له وجوه وألوان لا تقوم به القلوب ولا تثبت عليه العقول، وأنّ الآفاق قد أغامت والمحجة قد تنكرت ، واعلموا إن أجبتكم ركبت بكم ما أعلم ، ولم أصغ إلى قول القائل وعتب العاتب ، وأن تركتموني فأنا كأحدكم ولعلي أسمعكم وأطوعكم لمن وليتموه أمركم ، وأنا لكم وزيراً خير لكم مني أميرا ) (63).
والظاهر منه أنّ الإمام «عليه السلام» أراد أن يقول لأولئك الذين حضروا لمبايعته أنكم إن بايعتموني فلا بدّ لكم من أن تلتزموا ببيعتكم وتقوموا بلوازمها ومنها الطاعة المطلقة لي وامتثال أوامري وعدم الاعتراض عليّ في أمر وإلاّ فابحثوا عن غيري .
فالإمام له الحق في رفض أو عدم قبول بيعة من يعلم من حالهم وسيرتهم ومواقفهم أنهم لن يلتزموا ببيعته أو ببعض لوازمها أو لا يطيعوه ولا ينفذواأوامره، وعليه فليس في كلامه هذا ما يدل على عدم النص عليه إماماً وولياً على المسلمين وخليفة عليهم من بعد رسول الله «صلى الله عليه وآله» في أمورهم وشؤونهم الدينية والدنيوية .
إضافة إلى كل ذلك فإن هذا الكلام المنسوب لأمير المؤمنين «عليه السلام» لم يرد عنه بطريق صحيح.
ثالثاً: أما بخصوص القول الآخر المنسوب له «عليه السلام» وهو: (إنما الشورى للمهاجرين والأنصار فإن اجتمعوا على رجل وسمّوه إماماً كان ذلك لله رضى) فالمروي أن هذا الكلام وجهه الإمام علي «عليه السلام» في كتاب له إلى معاوية بن أبي سفيان ، ونحن ننقل نصّه كاملاً كما رواه الحافظ ابن عساكر في كتابه تاريخ دمشق ، فقال: ( أخبرنا أبو عبد الله البلخي، أنا أحمد بن الحسن بن خيرون أنا الحسن بن أحمد بن إبراهيم، أنا أحمد بن إسحاق الطيبي، نا أبو إسحاق إبراهيم بن الحسين، نا أبو سعيد يحيى بن سليمان الجعفي، نا نصر بن مزاحم، نا عمر بن سعد الأسدي، عن نمير بن وعلة، عن عامر الشعبي أن علياً بعد قدومه الكوفة نزع جرير بن عبد الله البجلي عن همدان فأقبل جرير حتى قدم الكوفة على علي بن أبي طالب فبايعه ثم إن علياً أراد أن يبعث إلى معاوية بالشام رسولاً وكتاباً فقال له جرير ياأمير المؤمنين ابعثني إليه فإنه لم يزل لي مستنصحاً ووداً، فآتيه فأدعوه على أن يسلم هذا الأمر لك ويجامعك على الحق ، وأن يكون أميراً من أمرائك وعاملاً من عمالك ما عمل بطاعة الله واتبع ما في كتاب الله، وأدعو أهل الشام إلى طاعتك وولايتك فإن جلهم قومي وقد رجوت ألا يعصوني ، فقال له الأشتر لا تبعثه ولا تصدقه فوالله إني لأظن هواه هواهم ونيته نيتهم، فقال له دعه حتى ننظر ما يرجع به إلينا .
فبعثه علي إلى معاوية فقال له حين أراد أن يوجهه إن حولي من قد علمت من أصحاب رسول الله «صلى الله عليه [وآله] وسلم» من أهل الدين والرأي وقد اخترتك عليهم لقول رسول الله «صلى الله عليه [وآله] وسلم» فيك من خير ذي يمن فائت معاوية بكتابي ، فإن دخل فيما دخل فيه المسلمون وإلا فانبذ إليه على سواء وأعلمه أني لا أرضى به أميراً وإن العامة لا ترضى به خليفة .
فانطلق جرير حتى نزل بمعاوية فدخل عليه فقام جرير فحمد الله وأثنى عليه ثم قال : أما بعد يا معاوية فإنه قد اجتمع لابن عمك أهل الحرمين وأهل المصرين وأهل الحجاز واليمن ومصر وعمان والبحرين واليمامة ، فلم يبق إلا أهل هذه الحصون التي أنت فيها لو سال عليها من أوديته سيل غرقها ، وقد أتيتك أدعوك إلى ما يرشدك ويهديك إلى متابعة أمير المؤمنين علي ودفع إليه كتابه قال وكانت نسخته: بسم الله الرحمن الرحيممن عبد الله علي أمير المؤمنين إلى معاوية بن أبي سفيان أما بعد فإن بيعتي لزمتك وأنت بالشام لأنه بايعني القوم الذين بايعوا أبا بكر وعمر وعثمان على ما بايعوا عليه ، فلم يكن لشاهد أن يختار ولا لغائب أن يرد وإنما الشورى للمهاجرين والأنصار فإذا اجتمعوا على رجل وسموه إماماً كان ذلك رضا فإن خرج من أمرهم خارج بطعن أو رغبة ردوه إلى ما خرج منه فإن أبى قاتلوه على إتباعه غير سبيل المؤمنين وولاه الله ما تولى ويصله جهنم وساءت مصيرا ، وإن طلحة والزبير بايعاني ثم نقضا بيعتي وكان نقضها كردهما فجاهدتهما على ذلك حتى جاء الحق وظهر أمر الله وهم كارهون ، فادخل فيما دخل فيه المسلمون فإن أحب الأمور إلي فيك العافية إلا أن تعرض للبلاء فإن تعرضت له قاتلتك واستعنت الله عليك ، وقد أكثرت في قتلة عثمان فادخل فيما دخل فيه الناس ثم حاكم القوم إلي أحملك وإياهم على كتاب الله فأما تلك التي تريدها يا معاوية فهي خدعة الصبي عن اللبن، ولعمري لئن نظرت بعقلك دون هواك لتجدني أبرأ قريش من دم عثمان واعلم يا معاوية أنك من الطلقاء الذين لا تحل لهم الخلافة ولا تعرض فيهم الشورى، وقد أرسلت إليك وإلى من قبلكجرير بن عبد الله وهو من أهل الإيمان والهجرة فبايع ولا قوة إلا بالله ) (64).
فهو كما ترى مروي من طريق نصر بن مزاحم، عن عمر بن سعد الأسدي عن نمير بن وعلة ، عن عامر الشعبي، وقد رواه نصر بن مزاحم في وقعة صفين(65)، عن عمر بن سعد الأسدي بنفس باقي السند، وليس له سند آخر غير هذا السند ، فمصدره الشعبي وهو من رواة أهل السنة ولم يوثقه الشيعة، وفي نهج البلاغة لابن أبي الحديد المعتزلي عن أبي إسحاق قال: ( ثلاثة لا يؤمنون على علي بن أبي طالب، مسروق ومرة وشريح وروي أن الشعبي رابعهم)، وفي السند نمير بن وعلة وهو مجهول ، صرّح بذلك الرازي في الجرح والتعديل والذهبي في ميزان الاعتدال، وفي السند عمر بن سعد الأسدي ولا يعرف من هو تحديداً ، فهو مجهول .
وعليه فلا يصح الاحتجاج على الشيعة بما لم يثبت صحته عندهم ، وبما روي من طرق أهل السنة والمجهولين من الرّواة ، على أننا لو سلّمنا أن ما ورد في هذا الخطاب من كلامه «عليه السلام» فلا يعلم هل هذا هو نص الخطاب كاملاً أو أنّ الراوي تصرّف في بعض كلامه بما يوافق عقيدته ومذهبه .
***
قال عثمان الخميس: ( لا يعقل وجود هذه الأحاديث التي يوردها الشيعة في ذكر الأئمة جماعات أو أفراداً ثم تغيب جميع هذه الرّوايات عن رواة الشيعة الكبار وفرق الشيعة التي كانت تختلف بعد وفاة كل إمام تقريباً مما يدل دلالة قطعية على أنّ هذه الأحاديث وضعت متأخراً )(66).
أقول: أولاً: إنّ حديث الإثني عشر إماماً أو خليفة أو أميراً لم تنحصر روايته من طرق الشيعة، بل هو مروي في مصادر أهل السّنة من صحاح ومسانيد وأجزاء حديثية وكتب سنن وغيرها من كتب الحديث والتواريخ والتراجم، ولم يطعن في صحته – حسب علمي – أحدٌ من علمائهم، وقد أشرنا فيما سبق إلى بعض مصادره ورواته ومخرّجيه عند أهل السّنة.
وكذلك حديث الثقلين الدّال على أنّ خلافة النبي «صلى الله عليه وآله» وقيادة الأمّة والقيام بأمورها من بعده «صلى الله عليه وآله» هي للأئمة من عترته، وهو حديث اتفق على روايته الفريقان، وأخرجه الكثيرون من علماء أهل السّنة، وصححه الكثيرون منهم، ولقد ذكرنا نصوصاً من ألفاظه وبعض المصادر التي أخرجته، وأشرنا إلى أسماء جماعة من علمائهم ممن صححه في هذا الكتاب في المجلد الأول منه تحت عنوان «رد أباطيل عثمانالخميس على حديث الثقلين».
وكذلك حديث الولاية وحديث المنزلة وحديث الكساء وحديث الغدير التي يستدل بها الشيعة على إمامة وولاية الإمام أمير المؤمنين علي بن أبي طالب «عليه السلام»، فهذه الأحاديث رواها رواة أهل السنة وأخرجها علماؤهم في مصنفاتهم وصححوها، وقد أوردنا في هذا الكتاب بعضاً من نصوص هذه الأحاديث وأشرنا إلى المصادر التي أخرجتها وتصحيح من صححها من العلماء.
وعليه فلو لم يكن عند الشيعة دليل غير هذه الأحاديث لكفاهم ذلك دليلاً على أن إمامة المسلمين والولاية عليهم من بعد رسول الله «صلى الله عليه وآله» هي لعترته، وأن عدد الأئمة منهم اثنا عشر إماماً أولهم علي بن أبي طالب «عليه السلام» وآخرهم المهدي «عليه السلام» وأنّه ليس لغيرهم فيها حق ولا نصيب .
ثانياً: إنّ اختلاف الشيعة على امتداد التاريخ حول بعض الأئمة وانقسامهم إلى فرق عديدة أو اقتصار بعضهم على إمامة بعض الأئمة دون آخرين، لا يصلح دليلاً لعثمان الخميس ليرد به قول الشيعة الإمامية الإثني عشرية أن المراد بالأئمة في حديث الإثني عشر هم أئمتهم «عليهم السلام»،لأنّ جميع تلك الفرق والتي انقرضت جميعها ولم يبق منها إلاّ ثلاث فرق أو أربع - من القائلة بالنّص على أئمتهم الذين يعتقدون بإمامتهم، فهؤلاء إمّا أن يكونوا قالوا بإمامة أئمتهم اعتماداً على أدّلة عندهم تدل على النص عليهم، وإمّا أنّهم قالوا بذلك بدون دليل وإنما إتباعا لأهوائهم، فإن كان الأول فهو يبطل دعوى عثمان الخميس وقوله بعدم النص على أحد، وإن كان الثاني - أي قالوا بإمامتهم بدون دليل وإتباعا للهوى- فإن قولهم بعدم إمامة باقي الأئمة الإثني عشر قد يكون لنفس السبب، فلا يصح الاحتجاج بفعل من يكون متبعاً لهواه ولا يعتمد الأدلة والبراهين لإثبات عقائده.
ثالثاً: لم يكن سبب نشوء بعض هذه الفرق هو عدم إطلاعهم على النصوص المصرّحة بأسماء وعدد الأئمة وإنّما كان لأسباب دنيوية، كما بالنسبة لنشوء فرقة الواقفة، وهم الذين وقفوا على إمامة الإمام موسى بن جعفر الكاظم «عليه السلام» ولم يؤمنوا بإمامة ابنه علي الرضا «عليه السلام» وبمن بعده من الأئمة الطاهرين «عليهم السلام»، ولا يبعد أن يكون للحكومات في ذلك الزمان دور في نشوء بعض هذه الفرق وتشجيع بعضها ودعم أقطابها بالمال، بهدف تمزيق الشيعة وتفريقهم والتقليل من عدد أتباع الإمام الفعلي منهم، نعم قد يكون السبب في نشوء بعضها هو عدم إطلاع مؤسسيها على النصوص المصرّحة بعدد الأئمة وأسمائهم، وعدم إطلاع بعض الشيعة على مثل هذه النصوص والقول والاعتقاد بخلافها لا ينفي وجودها، فعلماء أهل السنة في هذا الزمان مجمعون على تحريم نكاح المتعة وعندما يحتج عليهم الشيعة القائلون بحليته بالرّوايات السنية الصحيحة الدالة على أن الصحابة كانوا يمارسون هذا النوح من النكاح ويفتون بحليته طوال فترة حكم أبي بكر وشطراً من حكم عمر بن الخطاب حتى نهى عنه عمر يدفعون ذلك بالقول أنّ من مارسها من الصحابة وقال بحليتها لم يبلغه التحريم، فكما أن فعل الصحابة هذا المخالف لنصوص التحريم لا يدل عندهم على بطلان نصوص التحريم ولا على وضعها واختلاقها، فكذلك مخالفة البعض من الشيعة في عدد الأئمة أو أسمائهم لا يدل على وضع واختلاق النصوص المصرّحة بأسماء الأئمة وعددهم .
ثم إن أتباع تلك الفرق لا يساوون شيئاً نسبة إلى أتباع الفرقة الإثني عشرية بدون استثناء، ومن يرجع إلى تاريخ بعض هذه الفرق ويطلع على عوامل نشوئها وعدد الأفراد المؤسسين لها يجد أن كل فرقة منها لا يتجاوز عدد أفرادها في بداية تكوّنها عدد أصابع اليد الواحدة إن لم يكن أقل من ذلك، ومن ثم يستقطبون حولهم الجهال والسّذج من الناس ويلبسون عليهم، وقد ينطلي تلبيسهم وتدليسهم وشبهاتهم على غير هؤلاء لما يتظاهرون به من الصلاح والتّدين مع أنّهم في واقعهم ليسوا كذلك، وبما أن هذه الفرق غير قائمة على أساس صلب ولم تعتمد الدليل في مخالفتها للطائفة الإثني عشرية فإنّها قد انقرضت وليس لها اليوم من الوجود عين ولا أثر باستثناء الزيدية والإسماعيلية عكس المذهبالإثني عشري الذي ظل أتباعه يزدادون على مرّ الزّمان والعصور، ومن ينظر في تراجم بعض الأشخاص ممن كانوا من أتباع بعض هذه الفرق يجد التصريح بانتقالهم إلى مذهب الإمامية الإثني عشرية وتخليهم عن مذهبهم السابق بعد أن تبيّن لهم بالدّليل بطلان مذهبهم وصحة مذهب الإثني عشرية.
***
 
قال عثمان الخميس: ( أوصاف الإثني عشر وزمنهم:
* يتولّون الخلافة.
* الإسلام في عهدهم عزيز.
* النّاس يجتمعون عليهم.
ولا ينطبق على أئمة الشيعة أيُّ وصف سوى العدد.
والعدد مدّعى بعد الحديث، إضافة إلى أنّ الحسن العسكري مات بدون ذريّة)(67).
أقول: أولاً : ليس المراد بالخلافة والإمامة والإمرة في حديث الإثني عشر تولي خصوص سلطة الحكم، وإنّما المراد بها النيابة العامة عن رسول الله «صلى الله عليه وآله» في جميع وظائفه والقيام مقامه في إدارة أمور الأمة في جانبيها الديني والدنيوي، والولاية على المؤمنين كولايته عليهم، وأنّهم «عليهم السلام» أولى بالمؤمنين من أنفسهم كما أن رسول الله «صلى الله عليه وآله» أولى بهم من أنفسهم، وعليه فعدم تولي بعض هؤلاء الأئمة «عليهم السلام» سلطة الحكم لا يصلح دليلاً على أنّهم ليسوا بالمعنيين بالأئمة والخلفاء في هذا الحديث، وقد سبق أن بيّنا أنّ الحديث وإن كانت ألفاظه بصيغة الإخبار إلاّ أن المراد به الأمر والتنصيب، فالنبي «صلى الله عليه وآله» يُعلم المسلمين بأن عدد خلفائه اثنا عشر، ويخبرهم أنّ أمرهم يكون ماضياً وأنّ الإسلام يكون عزيزاً إذا ما توّلى هؤلاء الإثني عشر إدارة أمورهم وشؤونهم، والنتيجة أن كل هذا البيان يتضمّن أمراً بوجوب إتباعهم والعمل بقولهم وأخذ تعاليم الشريعة منهم والانقياد المطلق لهم .
ثانياً: إنّ عثمان الخميس أراد أن يدلس ويلبس على القارئ بقوله أنحديث الإثني عشر يدل على أنّ كل واحد من هؤلاء الإثني عشر المشار إليهم في هذا الحديث ممن تجتمع عليه الأمّة، وذلك لأنّ عبارة «كلهم تجتمع عليه الأمّة» إنّما وردت من طريق واحد، وحكم بضعفها الشيخ محمد ناصر الدّين الألباني في كتابه صحيح سنن بن ماجة فقال: (صحيح، دون قوله: «تجتمع عليه الأمة»)(68).
ثالثاً: وأمّا قوله أنّ الإمام الحسن العسكري «عليه السلام» مات بدون أن تكون له ذريّة فهو من الكذب المبين، فروايات الشيعة الصحيحة أثبتت أن الإمام الحسن العسكري «عليه السلام» ولد له الإمام المهدي «عجل الله تعالى فرجه الشريف»، وأظهره الإمام العسكري لبعض الخواص من أصحابه وأعلم بولادته ووجوده من كان يثق بهم من أهل بيته.
فقد روى الشيخ الكليني في الكافي بسند صحيح عن محمد بن يحيى عن أحمد بن إسحاق عن أبي هاشم الجعفري قال : ( قلت لأبي محمد – أي الإمام الحسن العسكري – «عليه السلام»، جلالتك تمنعني من مسألتك فتأذن لي أن أسألك؟ فقال : سل . فقلت : يا سيدي هل لك ولد؟ فقال : نعم ، فقلت : فإن حدث بك حدث فأين أسأل عنه ؟ قال : بالمدينة )(69) .
وروى الشيخ الكليني في الكافي أيضاً بسند صحيح عن : ( محمد بن عبد الله ومحمد بن يحيى جميعاً عن عبد الله بن جعفر الحميري قال: اجتمعت أنا والشيخ أبو عمرو «رحمه الله» عند أحمد بن إسحاق فغمزني أحمد بن إسحاق أن أسأله عن الخلف، فقلت له: يا أبا عمرو إنّي أريد أن أسألك عن شيء وما أنا بشاك فيما أريد أن أسألك عنه، فإن اعتقادي وديني أنّ الأرض لا تخلو من حجة إلاّ إذا كان قبل يوم القيامة بأربعين يوماً، فإذا كان ذلك رفعت الحجة وأغلق باب التوبة فلم يك ينفع نفساً إيمانها لم تكن آمنت من قبل أو كسبت في إيمانها خيراً، فأولئك أشرار خلق الله عزّ وجل وهم الّذين تقوم عليهم القيامة، ولكنني أحببت أن أزداد يقيناً وأن إبراهيم «عليه السلام» سأل ربّه عزّ وجل أن يريه كيف يحيي الموتى قال : أولم تؤمن قال : بلى ولكن ليطمئنّ قلبي ، وقد أخبرني أبو علي أحمد بن إسحاق عن أبي الحسن «عليه السلام» قال: سألته وقلت: من أعامل أو عمّن آخذ وقول من أقبل؟ فقال له: العمري ثقتي، فما أدّى عني فعني يؤدي وما قال لك عني فعني يقول، فاسمع له وأطعفإنّه الثقة المأمون، وأخبرني أبو علي أنّه سأل أبا محمد عليه السلام عن مثل ذلك فقال له: العمري وابنه ثقتان، فما أدّيا عنّي فعنّي يؤديان، وما قالا لك فعنّي يقولان، فاسمع لهما وأطعهما فإنهما الثقتان المأمونان ، فهذا قول إمامين قد مضيا فيك, قال: فخرّ أبو عمرو ساجداً وبكى ثم قال: سل حاجتك فقلت له: أنت رأيت الخلف من بعد أبي محمد «عليه السلام»؟ فقال: أي والله ورقبته مثل ذا - وأومأ بيده- فقلت له: فبقيت واحدة، فقال لي: هات، فقلت: فالاسم؟ قال: محرّم عليكم أن تسألوا عن ذلك، ولا أقول هذا من عندي فليس لي أن أحلل ولا أحرّم ولكن عنه «عليه السلام» فإن الأمر عند السلطان أنّ أبا محمد مضى ولم يخلف ولداً وقسم ميراثه وأخذه من لاحقّ له فيه وهو ذا عياله يجولون ليس أحد يجسر أن يعترف إليهم أو ينيلهم شيئاً، وإذا وقع الاسم وقع الطلب فاتقوا الله وأمسكوا عن ذلك)(70).
فهاتان الرّوايتان الصحيحتان تثبتان ولادة ووجود ولد للإمام الحسن العسكري «عليه السلام» والنصوص والأدلة في ولادته في مصادر الشيعة عديدة وكثيرة .
ولقد اعترف جمع من علماء أهل السنة بولادة الإمام المهدي «عليه السلام» منهم :
1- ابن الأثير الجزري ، قال في كتابه «الكامل في التاريخ» في حوادث سنة 260 هـ : (وفيها توفي أبو محمد العلوي العسكري، وهو أحد الأئمة الاثنى عشر على مذهب الإمامية ، وهو والد محمد الذي يعتقدونه المنتظر )(71).
2-ابن خلكان قال في كتابه وفيات الأعيان: ( أبو القاسم محمد بن الحسن العسكري ابن علي الهادي بن محمد الجواد المذكور قبله ثاني عشر الأئمة الإثنى عشر على اعتقاد الإمامية المعروف بالحجة وهو الذي تزعم الشيعة أنه المنتظر والقائم والمهدي وهو صاحب السرداب عندهم وأقاويلهم فيه كثيرة وهم ينتظرون ظهوره في آخر الزمان من السرداب بسر من رأى (72) كانت ولادته يوم الجمعة منتصف شعبان سنة خمس وخمسين ومائتين)(73) .
3- شمس الدين الذهبي، اعترف بولادة الإمام المهدي «عليه السلام» في ثلاثة من كتبه، فقد ترجم له في كتابه سير أعلام النبلاء فقال: ( المنتظر، الشريف أبو القاسم محمد بن الحسن العسكري ابن علي الهادي بن محمد الجواد بن علي الرضى بن موسى الكاظم ابن جعفر الصادق ابن محمد الباقر ابن زين العابدين بن علي بن الحسين الشهيد بن الإمام علي بن أبي طالب العلوي الحسيني، خاتمة الاثنى عشر سيداً الذين تدعي الإمامية عصمتهم ولا عصمة إلاّ لنبي، ومحمد هذا هو الذي يزعمون أنّه الخلف والحجة وأنه صاحب الزمان وأنه صاحب السرداب بسامراء وأنّه حي لا يموت حتى يخرج فيملأ الأرض عدلاً وقسطاً كما ملئت ظلماً وجورا ... )(74) .
وقال في كتابه العبر في خبر من غبر: (وفيها - أي سنة 256هـ ولد - محمد بن الحسن العسكري بن علي الهادي بن محمد الجواد بن علي الرضا بن موسى الكاظم ابن جعفر الصادق العلوي الحسيني أبو القاسم الذي تلقبه الرافضة الخلف الحجة، وتلقبه بالمهدي والمنتظر وتلقبه بصاحب الزمان وهو خاتمة الاثنى عشر ) (75).
وقال في تاريخ دول الإسلام وهو يترجم للإمام الحسن العسكري «عليه السلام»: ( الحسن بن علي بن محمد بن علي الرضا بن موسى بن جعفر الصادق أبو محمد الهاشمي الحسيني، أحد أئمة الشيعة الذين تدعي الشيعة عصمتهم، ويقال له: الحسن العسكري لكونه سكن سامراء فإنها يقال لها العسكر .
وهو والد منتظر الرافضة، توفي إلى رضوان الله بسامراء في ثامن ربيع الأوّل سنة ستين ومائتين وله تسع وعشرون سنة، ودفن إلى جانب والده وأمّه أمة.
وأمّا ابنه محمد بن الحسن الذي يدعوه الرافضة القائم الخلف الحجة فولد سنة ثمان وخمسين وقيل سنة ست وخمسين عاش بعد أبيه سنتين ثم عدم، ولم يعلم كيف مات وأمه أم ولد)(76).
4- صلاح الدين الصفدي قال في الوافي بالوفيات: (العسكري والد الإمام المنتظر، الحسن بن علي بن محمد بن علي الرضا بن موسى بن جعفر الصادق بن محمد بن علي زين العابدين بن الحسين بن علي بن أبي طالب «رضي الله عنهم» أبو محمد العسكري أحد أئمة الشيعة الذين يدعون عصمتهم ويقال له الحسن العسكري لكونه نزل سامر وهو والد منتظر الرافضة ... وأما ابنه محمد الحجة الخلف الذي تدعيه الرافضة فولد سنة ثمان وخمسين وقيل ست وخمسين...)(77).
5- عبد الحي الحنبلي ترجم للمهدي في شذرات الذهب فقال: ( والإمام محمد بن الحسن العسكري بن علي الهادي بن محمد الجواد بن علي الرضى بن موسى الكاظم بن جعفر الصادق العلوي الحسيني أبو القاسم الذي تلقبه الرافضة بالخلف وبالحجة وبالمهدي وبالمنتظر وبصاحب الزمان وهو خاتمة الإثنى عشر إماماً عندهم )(78).
6- أحمد بن حجر الهيثمي قال في الصواعق المحرقة: ( أبو الحسن الخالص وجعل ابن خلكان هذا هو العسكري، ولد سنة اثنتين وثلاثين ومائتين ... مات بسر من رأى ودفن عند أبيه وعمه وعمره ثماني وعشرون سنة، ويقال: إنّه سمّ أيضاً، ولم يخلف غير ولده أبي القاسم محمد الحجة، وعمره عند وفاة أبيه خمس سنين لكن أتاه الله فيها الحكمة، ويسمّى القائم المنتظر، قيل: لأنّه سُتِرَ بالمدينة وغاب فلم يعرف أين ذهب )(79) .
7- الشيخ عبد الله الشبراوي قال في كتابه الإتحاف بحب الأشراف: (ولد الإمام محمد الحجة ابن الإمام الحسن الخالص «رضي الله عنه» بسر من رأى ليلة النصف من شعبان سنة خمس وخمسين ومائتين قبل موت أبيه بخمس سنين وكان أبوه قد أخفاه حين ولد وستر أمره لصعوبة الوقت وخوفه من الخلفاء فإنهم كانوا في ذلك الوقت يتطلبون الهاشميين ويقصدونهم بالحبس والقتل ويريدون اعدامهم )(80).
8- محمد بن يوسف الكنجي الشافعي في كتابه كفاية الطالب فقال عن الإمام الحسن العسكري: ( مولده بالمدينة، وقبض يوم الجمعة لثمان خلون من شهر ربيع الأوّل سنة ستين ومائتين وله يومئذٍ ثمان وعشرون سنة ، ودفن في داره بسر من رأى ، في البيت الذي دفن فيه أبوه وخلف ابنه وهو الإمام المنتظر صلوات الله عليه )(81) .
وقد صرّح كثيرون غير هؤلاء من أعلام أهل السنة بولادة الإمام المهدي «عليه السلام» ومن أراد الإطلاع عن المزيد من الأسماء فعليه بمراجعة كتاب «دفاع عن الكافي» لثامر هاشم حبيب العميدي، وكتاب «المهدي الموعود المنتظر عند علماء أهل السنة والإمامية» للشيخ نجم الدين العسكري .
***
 _________________
(1) حقبة من التاريخ صفحة 379 .
(2) مسند أحمد بن حنبل 4/28 رواية رقم: 3781، وقال محقق الكتاب الشيخ أحمد محمد شاكر: «إسناده صحيح».
(3) مسند أحمد 4/62 رواية رقم: 3859، وقال الشيخ أحمد محمد شاكر: «إسناده صحيح».
(4) فتح الباري 13/212 .
(5) تحفة الأحوذي 6/393- 394 .
(6) الصواعق المحرقة 1/54 .
(7) سمط النجوم العوالي 2/419 .
(8) تاريخ الخلفاء صفحة 10 .
(9) صحيح مسلم 3/1452 .
(10) صحيح مسلم 3/1452 .
(11) صحيح مسلم 3/1453 .
(12) معجم شيوخ أبي يعلى صفحة 79 رواية رقم: 65، وقال المحقق الشيخ حسين سليم أسد الداراني: «إسناده صحيح» .
(13) المعجم الكبير 2/197، المعجم الأوسط 3/201 .
(14) المعجم الكبير 2/55 .
(15) مسند أحمد 15/381 ، وقال الشيخ حمزة أحمد الزين: «إسناده صحيح» .
(16) مسند أبي عوانة 4/369 .
(17) مسند أبي عوانة 4/369، ورواه الطبراني في المعجم الكبير 2/702 .
(18)عيون أخبار الرضا 2/60 .
(19) فتح الباري 6/530.
(20)هذا الحديث في صحّته مقال، وكلامنا حوله على فرض صحته وصدوره عن النبي «صلى الله عليه وآله» وإلزاماً لمن يعتقد بصحته .
(21) حقبة من التاريخ صفحة 379 .
(22) حقبة من التاريخ صفحة 380 .
(23)الكافي 8/59- 63 .
(24) حقبة من التاريخ صفحة 380 .
(25) حقبة من التاريخ صفحة 380.
(26)حقبة من التاريخ صفحة 380.
(27) حقبة من التاريخ صفحة 380 .
(28) اتفق مع الشيعة جماعة من علماء أهل السنة في القول بأن آخر الإثني عشر هو الإمام المهدي.
(29) الحشر: 7 .
(30) حقبة من التاريخ صفحة 380 .
(31)حقبة من التاريخ صفحة 380- 381 .
(32)القصص: 83.
(33) نهج البلاغة صفحة 30- 37.
(34)الإمامة والسياسة لابن قتيبة 1/18-19.
(35) نهج البلاغة صفحة 124.
(36)نهج البلاغة صفحة 336.
(37)نهج البلاغة صفحة 246.
(38)نهج البلاغة صفحة 452.
(39)نهج البلاغة صفحة 201.
(40)نهج البلاغة صفحة 47.
(41)نهج البلاغة صفحة 409.
(42)انظر قول النبي «صلى الله عليه وآله» هذا لعلي «عليه السلام» في المستدرك على الصحيحين 3/153 رواية رقم: 4686، وقال: الحاكم النيسابوري: «صحيح»، وأقرّه الذهبي في تلخيص المستدرك، بغية الباحث عن زوائد مسند الحارث 2/905 رواية رقم: 984.
(43)نهج البلاغة صفحة 102.
(44)فرائد السمطين 1/320.
(45) بحار الأنوار 44/665.
(46) الطبقات الكبرى لابن سعد 5/220 .
(47) شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد 11/43 .
(48) بصائر الدرجات 381 – 382 .
(49) النساء : 54 .
(50) بصائر الدرجات صفحة 199 .
(51) النساء : 59 .
(52) كمال الدين وتمام النعمة صفحة 222 .
(53) كمال الدين وتمام النعمة صفحة 221 .
(54) بصائر الدرجات صفحة 75 .
(55) الرعد : 7 .
(56) الكافي 1/192 .
(57) الكافي 2/27 .
(58)النساء: 59.
(59) الكافي 2/21 .
(60) الأمالي للشيخ المفيد صفحة 115 .
(61)الكافي 8/333.
(62)أمالي الشيخ الطوسي صفحة 559-560.
(63)نهج البلاغة صفحة 181-182.
(64) تاريخ دمشق 59/128 .
(65) وقعة صفين صفحة 29 .
(66) حقبة من التاريخ صفحة 381 .
(67) حقبة من التاريخ صفحة 382 .
(68) سنن بن ماجة 3/19 رواية رقم: 4279 .
(69) في الكافي 1/328 .
(70)الكافي 1/330.
(71) الكامل في التاريخ 6/250 .
(72) هذا افتراء على الشيعة فلا أحد منهم يقول بخروجه يوم يظهر ليقيم العدل والقسط في الأرض من سرداب داره بسر من رأى وإنّما عقيدتهم أنّه يظهر في مكة المكرمة.
(73) وفيات الأعيان 4/176 .
(74) سير أعلام النبلاء 13/119- 120 .
(75) العبر في خبر من غبر 2/37 .
(76) تاريخ دول الإسلام 19/ 113 .
(77) الوافي بالوفيات 12/70 .
(78) شذرات الذهب 2/150.
(79) الصواعق المحرقة 2/601 .
(80)الاتحاف بحب الأشراف صفحة 413.
(81) كفاية الطالب صفحة 413.
 
التعقيبات المنشورة لا تعبر بالضرورة عن رأي الشبكة
» التعليقات «2»
شيعية التاريخ: 2013-08-04
شكرا المعلومات مفيدة عدم الاعتقاد بخلافتهم لا تبطلها وهل عدم الاعتقاد بنبوة النبي تبطل نبوته الحسن والحسين إمامان إن قاما وإن قعدا.. سلام الله عليهم أجمعين
مالك الياسري التاريخ: 2013-11-20
بارك الله بيك وفض الله فم الخميس
شارك بتعليقك حول هذا الموضوع
الاسم
التعليق
من
أحرف التأكيد Security Image
 
جميع التعليقات خاضعة للمراقبة ، تجنباً للمشاركات الهدامة !