من حقوق اليتيم في الإسلام               دواء الذنوب - الحلقة الثالثة                دواء الذنوب - الحلقة الثانية               (الحديث الثامن) النميمة               دواء الذنوب - الحلقة الأولى               التوبــــة               (الحديث السابع) الزنا               (الحديث السادس) الكذب .. حرمته .. أثاره .. أنواعه               (الحديث الخامس) الغيبة               ظواهر سلبية               
الأربعون حديثاً
 
 
(الحديث السابع) الزنا
شبكة الحقيقة - 2013/03/14 - [عدد القراء : 539]
 

بسم الله الرّحمن الرّحيم
عن ثقة الإسلام العلامة الكليني قدّس سرّه في الكافي: ( علي بن إبراهيم، عن أبيه؛ وعدّة من أصحابنا عن أحمد بن محمد جميعاً، عن ابن محبوب، عن مالك بن عطية، عن أبي حمزة، عن أبي جعفر عليه السلام قال: وجدنا في كتاب رسول الله صلى الله عليه وآله: إذا ظهر الزنا من بعدي كثر موت الفجأة ... ) (الكافي ج2 ص 374)
نظرة في سند الحديث:
هذا الحديث رواه العلامة الكليني عن علي بن إبراهيم وعن عدة من الأصحاب، وعلي بن إبراهيم ثقة وهو واحد من العدّة التي يروي عنها العلامة الكليني عن أحمد بن محمد، وعلي بن إبراهيم رواه عن أبيه إبراهيم بن هاشم وهو ثقة، والعدّة روته عن أحمد بن محمد البرقي وهو ثقة أيضاً وهما روياه عن الحسن بن محبوب وهو ثقة، وهو رواه عن الثقة مالك بن عطية، وهو رواه عن الثقة ثابت بن دينار أبي حمزة الثمالي، وهو رواه عن المعصوم أبي جعفر محمد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب المعروف بالباقر عليه وعلى آبائه الطاهرين الكرام الصلاة والسلام، فالحديث صحيح.
الزنا:
يعد الزّنا من الذنوب الكبيرة التي توعّد الله سبحانه وتعالى عليها بالنّار، قال الله سبحانه وتعالى: (وَالَّذِينَ لَا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهاً آخَرَ وَلَا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ وَلَا يَزْنُونَ وَمَن يَفْعَلْ ذَلِكَ يَلْقَ أَثَاماً * يُضَاعَفْ لَهُ الْعَذَابُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَيَخْلُدْ فِيهِ مُهَاناً * إِلَّا مَن تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلاً صَالِحاً فَأُوْلَئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ وَكَانَ اللَّهُ غَفُوراً رَّحِيماً) (الفرقان: 68- 70) .
والرّوايات المأثورة عن النبي صلى الله عليه وآله والأئمة الطاهرين من أهل بيته عليهم الصلاة والسلام الدالة على أنّ الزنا من جملة الكبائر عديدة منها عن النبي الأكرم صلى الله عليه وآله أنّه قال: ( ما من ذنب بعد الشرك بالله أعظم عند الله من نطفة وضعها رجل في فرج لا يحل له) ( الكبائر للذهبي ص 54).
ومنها أنّ الإمام علي بن موسى الرضا عليه السلام كتب كتاباً إلى المأمون العباسي يبين له فيه بعضاً من شرائع الدّين، فكان مما كتب له: ( ... واجتناب الكبائر وهي: قتل النفس التي حرّم الله عزّ وجل، والزنا، والسرقة، وشرب الخمر، وعقوق الوالدين، والفرار من الزحف، وأكل مال اليتيم ظلماً، وأكل الميتة والدم ولحم الخنزير وما أهل لغير الله به من غير ضرورة، وأكل الرّبا بعد البينة، والسحت، والميسر وهو القمار، والبخس في المكيال والميزان، وقذف المحصنات، واللواط، وشهادة الزّور، واليأس من روح الله، والأمن من مكر الله، والقنوط من رحمة الله، ومعونة الظالمين والركون إليهم، واليمين الغموس، وحبس الحقوق من غير عسر، والكذب، والكبر، والإسراف، والتبذير، والخيانة، والاستخفاف بالحج، والمحاربة لأولياء الله تعالى، والاشتغال بالملاهي، والإصرار على الذنوب) ( بحار الأنوار79/12).
وعن الإمام جعفر بن محمد الصادق عليه السلام قال: ( إن أشدّ النّاس عذاباً يوم القيامة رجل أقرَّ نطفته في رحم يحرم عليه) (الكافي 5/541).
وعن الإمام أمير المؤمنين علي بن أبي طالب عليه السلام قال: ( ألا أخبركم بكبر الزّنا؟ قال: هي امرأة توطئ فراش زوجها فتأتي بولد من غيره فتلزمه زوجها، فتلك التي لا يكلّمها الله ولا ينظر إليها يوم القيامة ولا يزكيها ولهم عذاب أليهم) (ثواب الأعمال وعقاب الأعمال صفحة 263) .
وفي الخبر الموثق عن الإمام جعفر بن محمد الصادق عليه السلام قال: ( ثلاثة لا يكلمهم الله يوم القيامة ولا يزكيهم ولهم عذاب أليم، الشيخ الزاني، والديوث، والمرأة توطئ فراش زوجها) ( الكافي 5/537) .
الزنا أسوأ طريق لدفع الشهوة:
قال الله تعالى: (وَلاَ تَقْرَبُواْ الزِّنَى إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَسَاءَ سَبِيلاً) (الإسراء: 32).
إن الطريق السليم والصحيح لإشباع الغريزة الجنسية هو النكاح الشرعي، أمّا إشباعها عن طريق الزّنا أو غيره من الاتصالات الجنسية والطرق الأخرى المحرّمة شرعاً فهو سير في وجهة غير صحيحة وسلوك لطريق خطرة جدّاً تكون نهايتها وخيمة، فمن يلقي نظرة على المجتمعات الإباحية التي انتشرت فيها جريمة الزّنا بشكل فظيع وعلني وينظر إلى آثارها الخطيرة من انتشار اللقطاء وضياع الأبناء وتفكك الأسر وفساد التربية، وجرائم قتل الأزواج والزوجات، وتفشي الأمراض الجنسية الخطيرة كالزهري، والسيلان، والسل، والإيدز، يدرك دقّة التعبير القرآني في قوله تعالى: (وَسَاء سَبِيلاً) .
مقدّمات الزنا:
لقد أرادت الشريعة الإسلامية إبعاد المسلم عن المعصية بشتى الطرق والوسائل، ومن الطرق التي استخدمتها لمنع الوقوع في جريمة الزنا أنّه نهت عن كلِّ ما هو مقدمة لها، ومن ذلك:
1-النظر المحرّم:
يعدُّ نظر الرجال إلى النساء الأجنبيات والنساء إلى الرجال الأجانب من أهم الأسباب الممهدة والمهيئة للوقوع في معصية الزنا، ففي الرّواية عن النبي المصطفى صلى الله عليه وآله أنّه قال: ( النظرة سهم من سهام إبليس، فمن تركها مخافتي أبدلته إيماناً يجد حلاوته في قلبه) (كنز العمّال 5/328 حديث رقم: 13068) .
وعن الإمام جعفر بن محمد الصادق عليه السلام قال: ( النظرة سهم من سهام إبليس مسموم، وكم من نظرة أورثت حسرة طويلة) (سفينة البحار 2/596).
وعن أحدهم سلام الله عليهم أنّه قال: ( إياكم والنظرة فإنّها تزرع في قلب صاحبها الشهوة، وكفى بها لصاحبها فتنة) ( سفينة البحار 2/569) .
وقال النبي الأكرم صلى الله عليه وآله: ( من نظر إلى محاسن امرأة أجنبية عن شهوة صبَّ في عينيه الآنك ( الآنك: الرصاص المذاب) يوم القيامة) (المبسوط للسرخسي 10/153).
وعنه صلى الله عليه وآله أيضاً أنّه قال: ( اشتدَّ غضب الله تعالى على امرأة ذات بعل ملأت عينها من غير زوجها) (بحار الأنوار 101/39).
وعنه صلى الله عليه وآله قال: ( يا علي لا تتبع النظرة النظرة فإن لك الأولى وليس لك الآخرة) (مسند أحمد5/352).
وقد أمر الله عزّ وجل المؤمنين والمؤمنات بغض البصر، قال تعالى: (قُل لِّلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ ذَلِكَ أَزْكَى لَهُمْ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا يَصْنَعُونَ * وَقُل لِّلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ وَيَحْفَظْنَ فُرُوجَهُنَّ وَلا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلاَّ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَى جُيُوبِهِنَّ وَلا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلاَّ لِبُعُولَتِهِنَّ أَوْ آبَائِهِنَّ أَوْ آبَاء بُعُولَتِهِنَّ أَوْ أَبْنَائِهِنَّ أَوْ أَبْنَاء بُعُولَتِهِنَّ أَوْ إِخْوَانِهِنَّ أَوْ بَنِي إِخْوَانِهِنَّ أَوْ بَنِي أَخَوَاتِهِنَّ أَوْ نِسَائِهِنَّ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُنَّ أَوِ التَّابِعِينَ غَيْرِ أُولِي الإِرْبَةِ مِنَ الرِّجَالِ أَوِ الطِّفْلِ الَّذِينَ لَمْ يَظْهَرُوا عَلَى عَوْرَاتِ النِّسَاء وَلا يَضْرِبْنَ بِأَرْجُلِهِنَّ لِيُعْلَمَ مَا يُخْفِينَ مِن زِينَتِهِنَّ وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعًا أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ ) (النور: 30-31).
وإن أردنا أن نعرف ما هو المحرّم من النّظر، وما هي الأجزاء التي يحرم على الرّجل النظر إليها من المرأة وعلى المرأة من الرّجل، فعلينا أن نرجع إلى فتاوى الفقهاء لتحديد ذلك، قال السيد الخوئي رحمه الله : ( لا يجوز للرجل أن ينظر إلى ما عدا الوجه والكفين من جسد المرأة الأجنبية وشعرها، وكذا الوجه والكفين منها إذا كان النظر نظر تلذذ أو ريبة، بل الأحوط لزوماً تركه بدونهما أيضاً، وكذا الحال في نظر المرأة إلى الرّجل الأجنبي على الأحوط في غير وجهه ويديه ورأسه ورقبته وقدميه، وأمّا نظرها إلى هذه المواضع منه فالظاهر جوازه من دون ريبة وتلذذ، وإن كان الأحوط استحباباً تركه أيضاً) ( المسائل المنتخبة للسيد الخوئي ص 306).
وقال السيد علي الحسيني السيستاني دام ظلّه: ( لا يجوز للرجل أن ينظر إلى ما عدا الوجه والكفين من جسد المرأة الأجنبية وشعرها، وكذا الوجه والكفين منها إذا كان النظر بتلذذ شهوي أو مع الريبة، بل الأحوط استحباباً تركه بدونهما أيضاً، وكذا الحال في نظر المرأة إلى الرجل الأجنبي على الأحوط لزوماً في غير ما جرت السيرة على عدم الالتزام بستره كالرأس واليدين والقدمين ونحوهما، أما نظرها إلى هذه المواضع منه فالظاهر جوازه من دون ريبة وتلذذ شهوي، وإن كان الأحوط تركه أيضاً ) ( المسائل المنتخبة للسيد السيستاني ص 404).
والذي نتوصل إليه من هذه الفتاوى ما يلي:
1-أنّه يحرم على الرجل النظر إلى ما عدا الوجه والكفين من المرأة الأجنبية البالغة سواء كان النظر بتلذذ (1) وريبة (2) أم لا.
2-يحرم على الرجل النظر إلى الوجه والكفين من المرأة الأجنبية بتلذذ وريبة، وعند السيد الخوئي احتياط لزومي بعدم النظر إلى الوجه والكفين من المرأة الأجنبية حتى مع عدم التلذذ والريبة، وعند السيد السيستاني احتياط استحبابي.
3-يحرم على المرأة النظر إلى غير ما جرت العادة على الالتزام بستره كالرأس واليدين والقدمين والرقبة من الرّجل الأجنبي سواء كان بشهوة وتلذذ وريبة أم لا.
4-يحرم على المرأة النظر إلى المواضع التي جرت العادة بعدم سترها من الرجل الأجنبي إذا كان بشهوة وتلذذ وريبة.
2- التبرّج :
يعتبر تبرّج المرأة وسفورها – أي إخراجها لشعرها وأجزاء من سائر جسدها – أحد الأسباب الممهدة للوقوع في فاحشة الزنا، وما يرى اليوم في المجتمعات الغربية وغيرها من انتشار لهذه الجريمة بشكل فظيع يعتبر تكشّف النساء وسفورهن العمدة الأساس والسبب الأكبر في تفشيها وانتشارها.
فخروج المرأة كاشفة عن شعرها لابسة الملابس القصيرة الضيّقة التي تبرز من جهة أجزاء كثيرة من جسدها كالساقين والزندين وبعضاً من الصدر والعنق ومن جهة أخرى مجسمة لأجزاء أخرى كالثديين والإليتين وشفافة في بعض المناطق تحكي ما تحتها واضعة على جسدها وملابسها أنواع مختلفة من العطور، إن خروج المرأة بهكذا كيفية مما يثير كوامن الغريزة الجنسية عند الرّجل، وبالتالي فإنّه يقع أمام خيارين لا ثالث لهما إذا لم تكن له زوجة يطفئ عن طريقها ثوران غريزته، وكان الوازع الديني لديه ضعيفاً، فهو إما أن يضغط على غريزته ويكبتها ويتعرض عندها للأمراض النفسية والعصبية وإما أن يتجه إلى الزنا أو اللواط أو غيرها من المحرّمات الأخرى لإفراغ شهوته.
فلذلك ألزمت الشريعة الإسلامية المرأة بستر جسدها وفرضت الحجاب عليها وألزمتها به كي لا تكون وسيلة وأداة لإيقاع الرجل في معصية الزنا أو اللواط أو الاستمناء (العادة السرية) . 
قال الله سبحانه وتعالى: (يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُل لِّأَزْوَاجِكَ وَبَنَاتِكَ وَنِسَاء الْمُؤْمِنِينَ يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِن جَلَابِيبِهِنَّ ذَلِكَ أَدْنَى أَن يُعْرَفْنَ فَلَا يُؤْذَيْنَ وَكَانَ اللَّهُ غَفُوراً رَّحِيماً) (الأحزاب: 59).
ففي هذه الآية الكريمة المباركة يأمر الحق سبحانه وتعالى نبيّه الأكرم محمداً صلى الله عليه وآله بأن يأمر زوجاته وبناته وسائر نساء المسلمين، بالستر والحجاب الكامل، ويمنعهن عن التبرّج والسفور، لأنَّ الحجاب يكسب المرأة سمعة طيبة، وتعرف بالعفة والصلاح في المجتمع ولا تتعرض للمضايقات والنظرات الخائنة والاعتداء من قبل المستهترين والمنحرفين، لأن الحجاب يحجز المرأة المتحجبة عن أطماع أهل الفسق والمجون، لأنّها مستورة الجمال والمحاسن ولا يظهر منها شيء، ولأن الفاسق إذا عرف أن المرأة صالحة ومحافظة لا يتعرض لها بسوء، ففي هذه الآية دلالة صريحة واضحة على وجوب الحجاب وأنه يحفظ المرأة من الفساد والاعتداء، ويدفع عنها شرَّ الفاسقين.
وقال الله سبحانه وتعالى: (وَقُلْ لِلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ وَيَحْفَظْنَ فُرُوجَهُنَّ وَلا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَى جُيُوبِهِنَّ وَلا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا لِبُعُولَتِهِنَّ أَوْ آبَائِهِنَّ أَوْ آبَاءِ بُعُولَتِهِنَّ أَوْ أَبْنَائِهِنَّ أَوْ أَبْنَاءِ بُعُولَتِهِنَّ أَوْ إِخْوَانِهِنَّ أَوْ بَنِي إِخْوَانِهِنَّ أَوْ بَنِي أَخَوَاتِهِنَّ أَوْ نِسَائِهِنَّ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُنَّ أَوِ التَّابِعِينَ غَيْرِ أُوْلِي الإِرْبَةِ مِنَ الرِّجَالِ أَوِ الطِّفْلِ الَّذِينَ لَمْ يَظْهَرُوا عَلَى عَوْرَاتِ النِّسَاءِ وَلا يَضْرِبْنَ بِأَرْجُلِهِنَّ لِيُعْلَمَ مَا يُخْفِينَ مِنْ زِينَتِهِنَّ وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعًا أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ ) (النور: 31).
وفي هذه الآية الكريمة يأمر الله سبحانه وتعالى نبيّه الأكرم محمداً صلى الله عليه وآله بأن يأمر المؤمنات بالغض من أبصارهن فلا ينظرن إلى ما لا يجوز لهن النظر إليه، كما يجب عليهن ستر وتغطية فروجهن عن أنظار الرّجال والنساء.
ثم ولا يبدين زينتهن إلاّ ما ظهر منها، فلا يظهرن ويكشفن عن زينتهن المخفية وإن كانت لا تظهر أجسامهن، أي فلا يجوز لهن الكشف عن لباس يتزين به تحت اللباس العادي أو العباءة .
ثم يطلب سبحانه منه صلى الله عليه وآله أن يأمر النساء بأن يضربن بخمرهن على جيوبهن، والخمر جمع خمار وهو ما تغطي به المرأة رأسها وينسدل على صدرها، والمراد بالجيوب الصدور، والمعنى كما يقول السيد الطباطبائي قدّس الله نفسه الزكية في تفسيره الميزان: (وليلقين بأطراف مقانعهن على صدورهن ليسترنها بها) (الميزان ج15 ص 112).
وبعد ذلك تذكر الآية الكريمة مجموعة من الناس والأشخاص اللذين يجوز للنساء كشف حجابهن وإظهار زينتهن أمامهم، فيجوز لهن ذلك أمام الزوج والأب وأب الزوج والأبناء وأبناء الزوج من غيرهن، والأخوة وأبناء الأخوة وابناء الأخوات، ونسائهن، وهن النساء من المسلمات، أي يجوز للمسلمة أن تكشف حجابها وتظهر زينتها للمسلمة، ولا تكشف لغيرها من غير المسلمات، وعلّة ذلك كما ورد في بعض الروايات أنهن – أي غير المسلمات- من المحتمل أن يصفن لأزواجهن ما شاهدنه من زينة النساء المسلمات) (3).
(أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُنَّ) و (لظاهر هذه العبارة مفهوم واسع ويدل على أنّه بإمكان المرأة الظهور دون حجاب بحضور عبدها إلاّ أن بعض الأحاديث صرّحت بأن ذلك يعني فقط الظهور بين الجواري على الرغم من أنّهن غير مسلمات، ولا يشمل هذا الحكم العبيد، ففي حديث للإمام أمير المؤمنين علي عليه السلام: لا ينظر العبد إلى شعر مولاته.
ويستفاد من أحاديث أخرى تعميم هذا الحكم على الجواري والعبيد إلاّ أنَّ ذلك خلافاً للاحتياط) ( الأمثل في تفسير كتاب الله المنزل ج11 ص 75).
(أَوِ التَّابِعِينَ غَيْرِ أُوْلِي الإِرْبَةِ مِنَ الرِّجَالِ) وهم الذين لا رغبة حنسية لديهم أصلاً كالعنين والخصي.
(أَوِ الطِّفْلِ الَّذِينَ لَمْ يَظْهَرُوا عَلَى عَوْرَاتِ النِّسَاءِ) وهم الأطفال الذين ليس لهم شعور بالجنس، أما الأطفال الذين بلغوا مرحلة برزت فيهم رغبة في الجنس وقدرة لهم على ممارسته فيجب على النساء المسلمات أن يتحجبن بحضورهم .
ثم (وَلا يَضْرِبْنَ بِأَرْجُلِهِنَّ لِيُعْلَمَ مَا يُخْفِينَ مِنْ زِينَتِهِنَّ) (أي على النساء أن يتحفظن كثيراً ويحفظن عفتهن ويبتعدن عن كل شيء يثير نار الشهوة في قلوب الرّجال حتى لا يتهمن بالانحراف من طريق العفة.
ويجب أن يراقبن تصرفهن بشدة بحيث لا يصل صوت خلخالهن إلى آذان الرجال غير المحارم، وهذا يؤكد دقة نظر الإسلام إلى هذه الأمور) (الأمثل ج 11 ص 67).
واستناداً إلى هذه الآية وغيرها من آيات كتاب الله المجيد والكثير من الرّوايات المأثورة عن النبي الأكرم صلى الله عليه وآله والمأثورة عن الأئمة الطاهرين من أهل البيت عليهم السلام، فقد أفتى الفقهاء بوجوب الستر على المرأة وحددوا في فتاواهم ما يجب عليها أن تستره من جسدها.
قال المرجع الديني آية الله العظمى السيد أبو القاسم الموسوي الخوئي قدّس سرّه : ( يجب على المرِأة ستر ما زاد على الوجه والكفين عن غير الزوج والمحارم، بل يجب عليها ستر الوجه والكفين عن غير الزوج حتى المحارم مع تلذذه، بل عن غير المحارم مطلقاً على الأحوط، ولا يجب على الرجل الستر مطلقاً) ( منهاج الصالحين للخوئي ج2 ص 260) .
وقال المرجع الديني آية الله العظمى السيد على الحسيني السيستاني دام ظله: ( يجب على المرأة أن تستر شعرها وما عدا الوجه والكفين من بدنها عن غير الزوج والمحارم من البالغين مطلقاً، بل الأحوط أن تستر عن غير البالغ إذا كان مميزاً وأمكن أن يترتب على نظره ثوران الشهوة، وأمّا الوجه والكفان فالأظهر جواز إبدائها إلاّ مع خوف الوقوع في الحرام أو كونه بداعي إيقاع الرجل في النظر المحرّم فيحرم الإبداء حينئذ حتى بالنسبة إلى المحارم) ( المسائل المنتخبة للسيستاني ص 404).
3- تحريم كل ما يدعو إلى الفتنة والإغراء:
وحرّمت الشريعة الإسلامية كل ما من شأنه أن يدعو إلى الفتنة والإغراء، فحرّمت الاختلاط بين الرجال والنساء كما حرّمت أيضاً خلوة الرجل بالمرأة الأجنبية.
فقد أفتى الفقهاء بذلك وقالوا بحرمة الخلوة بالمرأة الأجنبية مع عدم الأمن من الفساد حتى لو كانا في معرض دخول الغير عليهما، وكذلك إذا كانا مأمونين من دخول الغير عليهما أيضاً، أما إذا لم يكن يمنع من الدخول عليهما مانع أو كان معهما صبي مميز فلا بأس به.
وورد في بعض الرّوايات أنَّ الشيطان يستغل فرصة خلوة الرجل بالمرأة الأجنبية فيبدأ بالوسوسة والتزيين لهما لإيقاعهما في المعصية، فعن النبي الأكرم صلى الله عليه وآله قال: (لا يخلونَّ رجل بامرأة، فما من رجل خلا بامرأة إلاّ كان الشيطان ثالثهما) (دعائم الإسلام ج2 ص 214).
وعنه صلى الله عليه وآله أن إبليس قال لموسى عليه السلام: ( لا تخل بامرأة لا تحل لك، فإنّه لا يخلو رجل بامرأة لا تحل له إلاّ كنت صاحبه دون أصحابي) (أمالي الشيخ المفيد ص 157).
وقد نهت الشريعة الإسلامية عن خروج المرأة متعطرة واضعة على ملابسها الروائح الزكية والعطور إذا كان ذلك يوجب افتتان الرجال الأجانب أو يسبب إثارة لهم، ففي الرواية عن الإمام الصادق عليه السلام قال: (أيما امرأة تتطيب ثم خرجت من بيتها فهي تلعن حتى ترجع إلى بيتها متى رجعت) ( ثواب الأعمال وعقاب الأعمال ص 259)، وعن النبي صلى الله عليه وآله: ( أيما امرأة استعطرت فمرت على قوم ليجدوا ريحها فهي زانية) (ميزان الحكمة ج5 ص 576).
وكذلك نهت الشريعة الإسلامية المرأة عن ترقيق صوتها وتحسينه بكيفية مهيجة ومثيرة للرجال الأجانب، قال الله سبحانه وتعالى: (يَا نِسَاء النَّبِيِّ لَسْتُنَّ كَأَحَدٍ مِّنَ النِّسَاء إِنِ اتَّقَيْتُنَّ فَلاتَخْضَعْنَ بِالْقَوْلِ فَيَطْمَعَ الَّذِي فِي قَلْبِهِ مَرَضٌ وَقُلْنَ قَوْلامَّعْرُوفًا) (الأحزاب: 32).
فالخطاب في هذه الآية وإن كان موجها لزوجات النبي صلى الله عليه وآله إلاّ أنّ الحكم فيه عام لكل مسلمة، ففيه أمر لهن باجتناب اسماع أصواتهن المشتملة على ترقيق وتحسين وتهييج وغنج للرجال الأجانب حتى لا يطمع الذي في قلبه مرض في من صدر منها الصوت بالارتباط المحرّم بها .
ففي استفتاء وجه للمرجع الديني آية الله العظمى السيد علي السيستاني دام ظله يقول: (هل يجوز سماع صوت الأجنبية مع عدم التلذذ، وهل يجوز لها ترقيق الصوت؟)، فكان الجواب: (يجوز سماع صوت الأجنبية مع عدم التلذذ الشهوي ولا الريبة، كما يجوز لها إسماع صوتها للأجانب، إلاّ مع خوف الوقوع في الحرام. نعم لا يجوز لها ترقيق الصوت وتحسينه على نحو يكون عادة مهيّجاً للسامع، وإن كان محرماً لها) ( المصدر موقع السيد على شبكة المعلومات الدولية، الإنترنت).
كما ويحرم أيضاً مصافحة المرأة الأجنبية لما في المصافحة من إثارة وتهيج قد تحصل لأحد الطرفين أو كلاهما، فعن النبي المصطفى صلى الله عليه وآله قال: ( من صافح امرأة حراماً جاء يوم القيامة مغلولاً ثم يؤمر به إلى النّار، ومن فاكه امرأة لا يملكها حبس بكل كلمة تكلمها في الدّنيا ألف عام، والمرأة إذا طاوعت الرجل فالتزمها حراماً أو قبلها أو باشرها حراماً أو فاكهها وأصاب منها فاحشة فعليها من الوزر ما على الرجل ...) ( ثواب الأعمال وعقاب الأعمال ص 284)  (4).
وجوّز الفقهاء المصافحة بشرطين:
الأول: وجود حاجر بين الكفين.
الثاني: عدم الغمز أثناء المصافحة.
واستندوا في ذلك إلى روايات مأثورة عن أهل بيت العصمة عليهم السلام منها :
ففي موثقة سماعة بن مهران عن الإمام الصادق عليه السلام قال: ( ... فأما المرأة التي يحل له أن يتزوّجها فلا يصافحها إلاّ من وراء الثوب ولا يغمز كفها) (الكافي ج5 ص526).
وفي صحيحة أبي بصير عن الإمام الصادق عليه السلام قال: (قلت له: هل يصافح الرجل المرأة ليست بذات محرم؟ فقال: لا إلاّ من وراء الثوب) (الكافي ج5 ص 526).
من الآثار الدنيوية والأخروية للزنا:
لقد أثرت العديد من الرّوايات المأثورة عن النبي صلى الله عليه وآله والأئمة الطاهرين من أهل بيته عليهم السلام تذكر جملة من الآثار الوضعية لفاحشة الزنا التي تلحق الزاني في هذه الحياة الدنيا، إضافة إلى الآثار في عالم البرزخ وعالم الآخرة، ومنها عن النبي صلى الله عليه وآله قال: (يا علي في الزنا ست خصال، ثلاث منها في الدنيا، وثلاث منها في الآخرة، أما التي في الدنيا فيذهب بالبهاء ويعجل الفناء ويقطع الرزق، وأما التي في الآخرة فسوء الحساب وسخط الرحمان والخلود في النّار) (الخصال ص 321).
فهذه الرّواية تشير إلى بعض الآثار الوضعية للزنا فهو يذهب ببهاء الوجه – أي يوثر على نضارة الوجه ونورانيته – وذلك دليل على اتساخ النفس الإنسانية وتكدرها وعدم صفائها بسبب ممارسة صاحبها فاحشة الزنا، ويعجل الفناء – أي يؤدي إلى قصر العمر – فمن ينظر إلى الأمراض الفتاكة التي تنتقل عن طريق الزنا والتي لم يكتشف لها علاج أو العلاج الذي اكتشف لها لا يؤدي إلى برئها وشفائها تماماً بل تبقى حتى تقضي على الإنسان يظهر له هذا الأمر جليّاً.
ويقطع الرزق، فهو يؤدي بالزاني إلى الفقر والمسكنة، هذا في الدّنيا، وأمّا في الآخرة فيؤدي إلى سوء الحساب، فالزاني يناقش مناقشة عادلة وعلى كل صغيرة وكبيرة ولا يتغاضى عن شيء مما فعله من الذنوب، كذلك يؤدي إلى سخط الله سبحانه وتعالى وغضبه على الزاني فالزاني مغضوب عليه، ومن يغضب الله عليه فلا يمكن أن يفلح أبداً، ثم الدخول إلى النّار والبقاء فيها مدّة مديدة طويلة إن مات وهو لم يتب من هذا الجرم العظيم.
وفي رواية أخرى قال رسول الله صلى الله عليه وآله: (إياكم والزنا فإن فيه عشر خصال، نقصان في العقل والدّين والرّزق والعمر، وآفة الهجران وغضب الرحمان وهجوم النسيان وبغض أهل الإيمان وذهاب ماء الوجه ورد الدعاء والعبادة) (لئالئ الأخبار ج5 ص 197).
ومن الآثار الوضعية للزنا كثرة موت الفجأة حسب ما صرّحت به العديد من الأحاديث الشريفة، منها حديث الإمام الباقر عليه السلام الذي تصدرنا به البحث وكذلك الحديث المأثور عن الإمام الصادق عليه السلام قال: (إذا فشت أربعة ظهرت أربعة؛ إذا فشى الزنا ظهرت الزلازل، وإذا مسكت الزكاة هلكت الماشية، وإذا جارت الحكام في القضاء مسك القطر من السماء، وإذا حقرت الذّمة نصر المشركون على المسلمين، وحقر الذّمة نقض العهد) (لئالئ الأخبار ج5 ص 197)، فإنّه إذا ظهر الزّنا وتفشى وانتشر كثر موت الفجأة كأن تزداد في المجتمع الذي تكثر فيه هذه الفاحشة حالات السكتة القلبية أو الدماغية فيترتب على ذلك أنّ هؤلاء المصابين بالسكتة يموتون فجأة، أو ازدياد حصول حالات الكوارث الطبيعية كالزلازل والصواعق والفيضانات والتي عادة ما تؤدي في أكثر حالاتها إلى موت أعداد من النّاس ليست بالقليلة وبشكل سريع وفجائي.
ومن آثار الزنا على الزاني في عالم البرزخ فقد ورد الإشارة إليها في الحديث المروي عن النبي صلى الله عليه وآله قال: ( ... ومن زنى بامرأة يهودية أو نصرانية أو مجوسية أو مسلمة أو أمة أو من كانت من النّاس فتح الله عليه في قبره ثلاثمائة ألف باب من النّار تخرج منها حيات وعقارب وشهب من نار، فهو يحرق إلى يوم القيامة حتى يؤمر به إلى النّار ... ) ( ثواب الأعمال وعقاب الأعمال ص 282).
_______________
(1) النظر بتلذذ: هو النظر الذي يؤدي إلى الشعور بلذة.
(2) النظر بريبة: هو أن ينظر إلى المرأة المحرّمة عليه مع التفكر بفعل المحرم معها، ويكفي حصول أحدهما – أي النظر بتلذذ أو النظر بريبة – في الحرمة.
(3) عن الإمام الصادق عليه السلام قال: (لا ينبغي للمرأة أن تكشف بين يدي اليهودية والنصرانية فإنّهن يصفن ذلك لأزواجهن) (تفسير نور الثقلين ج3 ص 593).
(4) هذه الرواية ناظرة إلى المصافحة المحرّمة التي لا يتوفر فيها الشرطان اللذان ذكرهما الفقهاء والروايات وهما عدم غمز الكفين ووجود حاجز بين الكفين، فهي مقيدة بالروايات التالية.
 
شارك بتعليقك حول هذا الموضوع
الاسم
التعليق
من
أحرف التأكيد Security Image
 
جميع التعليقات خاضعة للمراقبة ، تجنباً للمشاركات الهدامة !