من حقوق اليتيم في الإسلام               دواء الذنوب - الحلقة الثالثة                دواء الذنوب - الحلقة الثانية               (الحديث الثامن) النميمة               دواء الذنوب - الحلقة الأولى               التوبــــة               (الحديث السابع) الزنا               (الحديث السادس) الكذب .. حرمته .. أثاره .. أنواعه               (الحديث الخامس) الغيبة               ظواهر سلبية               
بحوث ومقالات» بحومث ومقالات أخلاقية
 
 
دواء الذنوب - الحلقة الأولى
شبكة الحقيقة - 2013/07/30 - [عدد القراء : 86]
 

دواء الذنوب

"الاستغفار والتوبة"

الحلقة الأولى

بقلم الشيخ حسن عبد الله العجمي

إنّ الذنوب لها آثار سلبية كبيرة وخطيرة جداً على الفرد والمجتمع والأمّة والإنسانية بشكل عام، وهذه حقيقة أشار إليها كتاب الله المجيد والسنة الشريفة، فما يواجهه الأفراد والمجتمعات والأمّة والإنسانية من مشاكل ومصاعب وأزمات جلّها لها علاقةٌ كبيرةٌ بما يمُارسه النّاس من جرائم وما يقترفونه من معاصي، ويرتكبونه من مخالفات شرعية، ففي صحيحة أبي حمزة عن الإمام الباقر "عليه السلام" قال: وجدنا في كتاب علي "عليه السلام" قال: قال رسول الله "صلى الله عليه وآله": (إذا ظهر الزنا كثر موت الفجأة، وإذا طفف المكيال أخذهم الله بالسنين والنقص، وإذا منعوا الزكاة منعت الأرض بركتها من الزرع والثمار والمعادن كلها، وإذا جاروا في الأحكام تعاونوا على الظلم والعدوان، وإذا نقضوا العهد سلّط الله عليهم عدوّهم، وإذا قطعوا الأرحام جعلت الأموال في أيدي الأشرار، وإذا لم يأمروا بالمعروف ولم ينهوا عن المنكر ولم يتبعوا الأخيار من أهل بيتي سلّط الله عليهم شرارهم فيدعوا خيارهم فلا يستجاب لهم) (1).

وهذا كلّه عقاب لهم على بعض المعاصي لا أنّه عقاب عن كلِّها؛ لأنّ الله عزّ وجل من رحمته بعباده يعفو عن كثير منها، قال تعالى: (ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ لِيُذِيقَهُمْ بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا لَعَلّهُمْ يَرْجِعُونَ)(2)، والمعنى: (ظَهَرَ الْفَسَادُ) من القتل وهتك الأعراض ونهب الأموال وسائر المشاكل (فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ) أي بسبب أعمالهم المخالفة لتعاليم الله عزّ وجل لهم (لِيُذِيقَهُمْ بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا) أي ليعاقبهم على بعض أعمالهم لا على كلها (لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ) أي لكي يرجعوا عن غيّهم وانحرافهم وضلالهم، ويلازموا تعاليمه وطاعته سبحانه وتعالى.

وقال سبحانه وتعالى في آية أخرى: (وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ) (3)(4).

والمعنى أنَّ ما أصابكم من مصيبة فبسبب ذنوبكم ويعفو الله سبحانه وتعالى عن كثير منها، فلا يؤاخذكم عليها في الدّنيا، والسبب في أنّ الله سبحانه وتعالى يعفو عن كثير من معاصي الناس، ولا يؤاخذهم على جميعها، هو: أنّه عزّ وجل لو فعل ذلك لما ترك على هذه الأرض من دابة، قال تعالى: (وَلَوْ يُؤَاخِذُ اللهُ النَّاسَ بِمَا كَسَبُوا مَا تَرَكَ عَلَى ظَهْرِهَا مِنْ دَابَّةٍ وَلَكِنْ يُؤَخِّرُهُمْ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى فَإِذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ فَإِنَّ اللهَ كَانَ بِعِبَادِهِ بَصِيرًا)(5).

وفي آية أخرى قال عزّ من قائل: (وَلَوْ يُؤَاخِذُ اللهُ النَّاسَ بِظُلْمِهِمْ مَا تَرَكَ عَلَيْهَا مِنْ دَابَّةٍ وَلَكِنْ يُؤَخِّرُهُمْ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى فَإِذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ لَا يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً وَلَا يَسْتَقْدِمُونَ)(6) فتدل هاتان الآيتان على أنّ الله سبحانه وتعالى لا يؤاخذ الناس بجميعِ ذنوبهم في هذه الحياة الدنيا، وإنّما يؤاخذهم ببعضها ويؤجل مؤاخذتهم ببعضها إلى ما بعد انقضاء آجالهم.

وفي صحيحة هشام بن سالم عن الإمام جعفر بن محمد الصادق "عليه السلام" قال: (أما إنّه ليس من عرق يضرب، ولا نكبة ولا صداع ولا مرض إلاّ بذنب، وذلك قول الله عزّ وجل في كتابه: "وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ".

قال: ثم قال: وما يعفو الله أكثر مما يؤاخذ به)(7).

وعن الإمام أمير المؤمنين علي بن أبي طالب "عليه السلام" قال: قال  رسول الله "صلى الله عليه وآله": (ما اختلج(8)عرق ولا عثرت قدم إلاّ بما قدّمت أيديكم، وما يعفو الله عزّ وجل عنه أكثر)(9).

وعنه "عليه السلام" في قول الله عزّ وجل: (وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ) (ليس من التواء عرق، ولا نكبة حجر، ولا عثرة قدم، ولا خدش عود إلاّ بذنب، ولما يعفو الله أكثر، فمن عجّل الله عقوبة ذنبه في الدّنيا فإن الله عزّ وجل أجل وأكرم وأعظم من أن يعود في عقوبته في الآخرة)(10).

وعنه "عليه السلام" قال: (توقوّا الذنوب، فما من بلية ولا نقص رزق إلاّ بذنب، حتّى الخدش والكبوة والمصيبة، قال الله عزّ وجل: "وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ")(11).

أهمية الاستغفار والتوبة في حياة المؤمن

إن أعظم داء يصاب به الإنسان هو داء الذنوب، فكل داء يهون مع داء الذنوب ولا دواء لهذا الداء إلا الاستغفار(12) والتوبة (13) فهما باب الله تعالى الآمن، الذي فتحه سبحانه إلى ساحة عفوه، بابٌ يدخله المذنب بكل بساطة بكلمات معدودة بمجرد أن يتلفظها بصدق وعزم وإخلاص، باب تركه جلّ ذكره مفتوحاً بالليل والنهار هو ملجأ ومأوى لعباده الهاربين من واقعهم المنحرف، ليدخلوه متى أرادوا، بمجرد أن توجد عندهم رغبة مخلصة في التطهر من دنس الخطايا والتخلص من واقعهم المنحرف.

إنّها سماحة الرب العظيم بعباده الضائعين، فهو سبحانه وتعالى يقبل لجوءهم إليه وإيواءهم تحت كنف مودته ولطفه مهما كبرت أو كثرت ذنوبهم وخطاياهم، فاستغفارهم وتوبتهم مقبولان متى رجعوا إليه مخلصين له الدين.

فالاستغفار والتوبة دعوة ربانية مفتوحة وموجهة لكل المذنبين في الأرض، فالمذنبون جميعاً مدعوّون لقبول هذه الضيافة الإلهية من أجل أن يضعوا حدّاً لفسادهم وغيّهم وتساقطهم وراء الملذات الدنيوية الرخيصة.

وللتوبة والاستغفار قدسية عظيمة عند الله سبحانه وتعالى،  وللمستغفرين والتائبين مكانة سامية عنده، فإنّه عزّ وجل أعطى للتائبين ثلاث خصال لو أعطى واحدة منها جميع أهل السماوات والأرض لنجوا بها، وهي المذكورة في قوله تعالى: (إِنَّ اللهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ)(14)، وقوله تعالى: (الَّذِينَ يَحْمِلُونَ الْعَرْشَ وَمَنْ حَوْلَهُ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَيُؤْمِنُونَ بِهِ وَيَسْتَغْفِرُونَ لِلَّذِينَ آَمَنُوا رَبَّنَا وَسِعْتَ كُلَّ شَيْءٍ رَحْمَةً وَعِلْمًا فَاغْفِرْ لِلَّذِينَ تَابُوا وَاتَّبَعُوا سَبِيلَكَ وَقِهِمْ عَذَابَ الْجَحِيمِ * رَبَّنَا وَأَدْخِلْهُمْ جَنَّاتِ عَدْنٍ الَّتِي وَعَدْتَهُمْ وَمَنْ صَلَحَ مِنْ آبَائِهِمْ وَأَزْوَاجِهِمْ وَذُرِّيَّاتِهِمْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ * وَقِهِمُ السَّيِّئَاتِ وَمَنْ تَقِ السَّيِّئَاتِ يَوْمَئِذٍ فَقَدْ رَحِمْتَهُ وَذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ)(15)، وقوله تعالى: (وَالَّذِينَ لاَ يَدْعُونَ مَعَ الله إِلَهًا آخَرَ وَلاَ يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللهُ إِلاَّ بِالْحَقِّ وَلاَ يَزْنُونَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ يَلْقَ أَثَامًا * يُضَاعَفْ لَهُ الْعَذَابُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَيَخْلُدْ فِيهِ مُهَانًا* إِلاَّ مَنْ تَابَ وَآَمَنَ وَعَمِلَ عَمَلاً صَالِحًا فَأُولَئِكَ يُبَدِّلُ اللهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ وَكَانَ اللهُ غَفُورًا رَحِيمًا)(16)، يحبهم الله، ويوظف من الملائكة من يدعو لهم، ويستثنيهم من المجرمين الخالدين في النّار، كل هذا الوصفِ العظيم، وكلُّ هذه الإشادة الرائعة، كلُّ هذا لعظم الاستغفار والتوبة عنده سبحانه، ولسمو المستغفرين والتائبين لديه تعالى.

ولقد أمر الله عباده بالاستغفار والتوبة ودعاهم إليهما في آيات عديدة من آيات كتابه المجيد، منها : (وَسَارِعُواْ إِلَى مَغْفِرَةٍ مِّن رَّبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ‏)(17)، ففي هذه الآية يدعو الله سبحانه عباده إلى المبادرة إلى الأعمال التي توجب لهم المغفرة وتدخلهم الجنة، والاستغفار والتوبة هما من الأعمال التي توجب العفو والمغفرة.

كما وعد الله المستغفرين بالعفو عنهم فقال في كتابه المجيد: (وَمَن يَعْمَلْ سُوءاً أَوْ يَظْلِمْ نَفْسَهُ ثُمَّ يَسْتَغْفِرِ اللهَ يَجِدِ اللهَ غَفُوراً رَّحِيماً)(18) فهذه الآية تشير إلى أن باب التوبة مفتوح أمام المسيئين على كل حال، فإذا ارتكب أحد ظلما بحق نفسه أو بحق غيره وندم حقيقة على فعله واستغفر الله لذنبه فإن الله سيغفر له ذنبه ويكفر عنه خطيئته.

وفي آية أخرى يقول الله سبحانه وتعالى مخاطباً نبيّه الأكرم محمداً "صلى الله عليه وآله": (وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذ ظَّلَمُواْ أَنفُسَهُمْ جَآؤُوكَ فَاسْتَغْفَرُواْ اللهَ وَاسْتَغْفَرَ لَهُمُ الرَّسُولُ لَوَجَدُواْ اللهَ تَوَّاباً رَّحِيما) (19)، فيرشد الله تعالى في قوله هذا عباده إلى أنّه إذا وقع منهم الخطأ والعصيان أن يأتوا إلى رسول الله "صلى الله عليه وآله" فيستغفروا الله عنده، ويسألوا رسول الله "صلى الله عليه وآله" أن يستغفر الله لهم، فإنّهم إن فعلوا ذلك تاب الله عليهم وعاد عليهم بالمغفرة والرّحمة.

وكما أن الله سبحانه وتعالى دعا عباده إلى الاستغفار والتوبة، فكذلك وجه أنبياؤه هذه الدعوة إلى أقوامهم، فهذا نبي الله هود (عليه السلام) يقول لقومه: (وَيَا قَوْمِ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ يُرْسِلِ السَّمَاءَ عَلَيْكُمْ مِدْرَارًا وَيَزِدْكُمْ قُوَّةً إِلَى قُوَّتِكُمْ وَلاَ تَتَوَلَّوْا مُجْرِمِينَ)(20)وهذا نبي الله صالح "عليه السلام" يوجّه قومه: (يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ هُوَ أَنْشَأَكُمْ مِنَ الأَرْضِ وَاسْتَعْمَرَكُمْ فِيهَا فَاسْتَغْفِرُوهُ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ إِنَّ رَبِّي قَرِيبٌ مُجِيبٌ)(21)، ويحدثنا القرآن الكريم أن النبي شعيباً "عليه السلام" قال لقومه: (وَيَا قَوْمِ لَا يَجْرِمَنَّكُمْ شِقَاقِي أَنْ يُصِيبَكُمْ مِثْلُ مَا أَصَابَ قَوْمَ نُوحٍ أَوْ قَوْمَ هُودٍ أَوْ قَوْمَ صَالِحٍ وَمَا قَوْمُ لُوطٍ مِنْكُمْ بِبَعِيدٍ * وَاسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ إِنَّ رَبِّي رَحِيمٌ وَدُودٌ)(22)، وكذلك حدّثنا القرآن الكريم أن نبي الله نوحاً "عليه السلام" قد طلب من قومه الاستغفار، قال تعالى عن لسان نبيه نوح "عليه السلام" : (فَقُلْتُ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّارًا * يُرْسِلِ السَّمَاء عَلَيْكُم مِّدْرَارًا * وَيُمْدِدْكُمْ بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ وَيَجْعَل لَّكُمْ جَنَّاتٍ وَيَجْعَل لَّكُمْ أَنْهَارًا)(23).

الإيمان شرط في غفران الذّنوب

لقد أخبر الحق سبحانه وتعالى في كتابه المجيد أن جميع الذنوب قابلة للغفران إذا تاب العبد منها في حياته، فقال عزّ ومن قائل: (قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَىٰ أَنْفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللهَ* إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا * إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ)(24)، فيدعو الله في هذه الآية عباده الذين أفرطوا في الجناية على أنفسهم، فأسرفوا في ارتكاب المعاصي التي يعود ضررها عليهم، حيث إنّها تعرضهم إلى نقمة الله وسخطه وعقابه، يدعوهم إلى التوبة من هذه الذنوب، ويحذرهم من أن يعيشوا حالة اليأس والقنوط من رحمته سبحانه، ويحذرهم من أن يعتقدوا أن ذنوبهم ليست لهم منها توبة، ويخبرهم أن الذنوب جميعها قابلة للغفران مهما كانت كبيرة وعظيمة، إلاّ أنّ بعض آيات الكتاب المجيد تعتبر الإيمان شـرطاً من شـروط غفران الذّنوب، قال الله تعالى: (اسْتَغْفِرْ لَهُمْ أَوْ لَا تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ إِنْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ سَبْعِينَ مَرَّةً فَلَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمْ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَفَرُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ)(25)، ففي هذه الآية الكريمة يخاطب الله سبحانه وتعالى نبيّه محمداً "صلى الله عليه وآله" ويعلمه بأن استغفاره للمنافقين لن ينفعهم حتى لو بالغ في الاستغفار لهم وأكثر منه، فالمنافقون أظهروا الإيمان وأبطنوا الكفر والشرك، ومثل هؤلاء لا يستحقون المغفرة حتى ولو كان المستغفر لهم نبيّاً، لأن الإيمان شرط في تحقق المغفرة، تماما كالجزاء والثواب على الأعمال الحسنة الصالحة فإن الجزاء والثواب عليها مشروط بالإيمان، قال تعالى: (مَنْ عَمِلَ صَالِحاً مِّن ذَكَرٍ أَوْ أُنثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُم بِأَحْسَنِ مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ) (26)، فجعل سبحانه استحقاقهم للحياة الطيبة وللجزاء الحسن على أعمالهم الصالحة مشروطاً بإيمانهم بما يلزم ويجب عليهم الإيمان به.

تصور خاطئ:

يتصوّر البعض من الناس من البسطاء وغير المتعمقين في فلسفة التشريعات الإلهية أنّ تشريع الاستغفار والتوبة والدعوة إليهما هو نوعٌ من الإغراء بارتكاب المعاصي، وتشجيعٌ على ترك الطاعة، ولكن هذا تصور باطل وغير صحيح،  فإنّه لو كان باب الاستغفار والتوبة موصداً مغلقاً في وجه العصاة، واعتقد المجرم بأنّ العصيان لمرة واحدة يدخله في عذاب الله، وأنّه لا يمكن أنْ يدفع عن نفسه العذاب من معصيته تلك، فلا شك أنّه سيتمادى في اقتراف السيئات وارتكاب الذنوب، معتقداً بأنّه لو غيّر حاله إلى الأحسن لما كان له تأثير في تغيير مصيره، فلأيّ وجه يترك لذات المحرمات فيما يأتي من أيام عمره.

وهذا بخلاف ما لو اعتقد بأن الطريق أمامه مفتوح والمنافذ مشرعة، وأنّه لو استغفر الله من ذنوبه وتاب إليه توبةً نصوحاً ينقذ نفسه من عذاب الله وغضبه، فإن هذا الاعتقاد يعطيه الأمل برحمة الله تعالى، فيكفُّ عن العصيانِ في مستقبل أيامه.

فكم وكم من أشخاص عادوا إلى الصلاح بعد الفساد في ظل الاعتقاد بالاستغفار والتوبة، فإنّهم لولا ذلك الاعتقاد لأمضوا عمرهم في المعاصي بدل الطاعات.

تصور خاطئ آخر:

ويتصور البعض أنّ باب الاستغفار والتوبة طالما أنّه مفتوح فلا داعي للعجلة والإسراع إليهما، وما دام في العمر متسعٌ فله أن يأخذ نصيبه من متعِ الدنيا وزينتها، ويعمل على إشباع غرائزه وشهواته من الطرق المشروعة وغير المشروعة، ثم عندما يتقدم به العمر ويصل إلى مرحلة الشيخوخة سيرجع إلى ربّه مستغفراً تائباً إليه من ذنوبه، طالباً منه العفو والصفح، وهذا التصور للاستغفار والتوبة تصور خاطئ ساذج، فمن يضمن لك أيّها الإنسان أن تعيش إلى أن تصل إلى هذه المرحلة من العمر؟!

ومن يضمن لك أن تُوفق للتوبة إذا ما سوّفتها؟

خصوصاً وأن من آثار الذنوب – إذا ارتكبت بشكل واسع وكبير - أنّها تشكل حاجزاً ومانعاً عن الرجوع إلى خطِّ الاستقامة، يقول تعالى: (ثُمَّ كَانَ عَاقِبَةَ الَّذِينَ أَسَاءُوا السُّوأَىٰ أَنْ كَذَّبُوا بِآيَاتِ الله وَكَانُوا بِهَا يَسْتَهْزِئُونَ)(27)، فمن المعاني التي ذكرها بعضُ المفسرين لهذه الآية الكريمة هو هذا المعنى: أنّ تكذيبهم بآيات الله كان عاقبة لما عملوه من معاصي، أي أنّهم تدرجوا في فعل السيئات والمعاصي شيئاً فشيئاً إلى أن وصل الحال بهم أنّهم كذبوا بآيات الله، فأعمتهم الذنوبُ عن طريق الحق.

وعن الإمام جعفر بن محمد الصادق "عليه السلام" قال: (كان أبي يقول: ما من شيء أفسد للقلب من خطيئة، إنّ القلب ليواقع الخطيئة فلا تزال به حتى تغلب عليه فيصير أعلاه أسفله) (28).

وعن الإمام محمد بن علي الباقر "عليه السلام" أنّه قال: (ما من عبد إلاّ وفي قلبه نكتة بيضاء، فإذا أذنب ذنباً خرج في النكتة نكتة سوداء، فإن تاب ذهب ذلك السّواد، وإن تمادى في الذّنوب زاد ذلك السواد حتى يغطي البياض، فإذا غطّي البياض لم يرجع صاحبه إلى خير أبداً، وهو قول الله عزّ وجل: "كَلَّا بَلْ رَانَ عَلَى قُلُوبِهِمْ مَا كَانُوا يَكْسِبُونَ") (29).

لهذا حريٌّ بالمذنب والعاصي أن يبادر إلى الاستغفار والتوبة طمعاً في غفران الله وستره، فإن تمادى وسوّف التوبة فإنّ ذلك له آثار غير محمودة على سيرته وسريرته.

من أسباب تسويف الاستغفار والتوبة

وهناك أسباب أخرى تجعل بعض المذنبين يؤخرون الاستغفار والتوبة ولا يبادرون إليهما، والشيطان هو أحد هذه الأسباب، فهو وبعد أن يوقع الإنسان في المعصيةِ لا يتركه وإنما يستخدم معه كلّ الحيلة والمكر؛ ليجعله يسوّف الاستغفار والتوبة، فهدف الشيطان هو أن يوصل أبناء آدم عليه السلام إلى عذاب الله في نار جهنم والعياذ بالله، فليحذر الإنسان هذا العدوَّ اللدود الذي أخرج أبويه من الجنة ، قال تعالى: (يَا بَنِي آدَمَ لا يَفْتِنَنَّكُمُ الشَّيْطَانُ كَمَا أَخْرَجَ أَبَوَيْكُمْ مِنَ الْجَنَّةِ) (30) .

ومن أسباب تسويف الاستغفار والتوبة هي الذنوب، التي إذا ما أكثر الإنسان منها، وارتكبها بشكل كثير وكبير فإنّها تؤثر على صفاء نفسه ونقائـها إلى أن تصـل بها إلى الحالـة التي ذكرها اللهُ سبـحانه وتعالى في كتابه المجيد في قوله: (كَلَّا بَلْ رَانَ عَلَى قُلُوبِهِم مَّا كَانُوا يَكْسِبُونَ) (31)، فليس المراد بالقلب في هذه الآية وفي الرّوايات السالفة هو العضو الموجود في القفص الصدري الذي يضح الدم إلى جميع أجزاء الجسم، وإنّما المراد به النفس الإنسانية التي تمثل الجانب المعنويّ من الإنسان، فتصاب النفس بالصدأ والرّيْن من جرّاء ممارسة الذنوب بصورة كبيرة وكثيرة، وحينها لا تحدِّث الإنسان نفسه بالاستغفار والتوبة والرجوع إلى خطّ الاستقامة، فيستمر في خطّ الانحراف، بل يصل الأمر ببعض المذنبين المنغمسين في فعل المعاصي إلى درجة أنّهم لا يتأثرون بالموعظة والنصيحة، وبعضهم تصل بهم الذنوب إلى مرحلة خطيرة جداً بحيث إنّهم يرفضون حتى استغفار الصلحاء لهم، فضلاً عن أن يستغفروا لأنفسهم بأنفسهم، قال تعالى: (وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا يَسْتَغْفِرْ لَكُمْ رَسُولُ اللهِ لَوَّوْا رُءُوسَهُمْ وَرَأَيْتَهُمْ يَصُدُّونَ وَهُمْ مُسْتَكْبِرُونَ)(32).

فالآية الكريمة تتحدث عن جماعة من الناس عاصروا النبي "صلى الله عليه وآله"، أوصلتهم ذنوبهم إلى أنّهم رفضوا الذهاب إلى عنده "صلى الله عليه وآله" ليدخلوا في طاعة الله سبحانه وطاعة رسوله وليستغفر الرسول لهم الله ليغفر لهم ما سلف من ذنوبهم ولكنّهم (لَوَّوْا رُءُوسَهُمْ) أي أمالوها إعراضاً  (وَرَأَيْتَهُمْ يَصُدُّونَ) أي عن طاعة الله وطاعة رسوله (وَهُمْ مُسْتَكْبِرُونَ) أي يتعالون ويترفعون عن مجيئهم إليه "صلى الله عليه وآله" ليستغفر لهم .

فما أعجب هذه الحالة المعرضة عن أبواب رحمة الله، ومن هنا علينا  أيّها المؤمنون المبادرة إلى التطبيق الصادق للاستغفار فرحمة الله قريب من المحسنين.

كذلك من أسباب تأخير الاستغفار وتسويف التوبة هو التعلق بملذات الدنيا وشهواتها، فالبعض من الناس لا يكتفي بإشباع غرائزه من الطرق التي أحلّها وأباحها اللهُ عزّ وجل لعباده، فيلجأ إلى إشباعها من السبل غير المشروعة، وهذا الصنف من الناس يؤجل الاستغفار والتوبة ويؤخرهما لعلمه أنّه بلجوئه إليهما سيقتصر في إشباع رغباته في حدود المشروعات فقط، وهو لا يريد ذلك، فلا يستعجل الاستغفار والتوبة، مع أنّ الله سبحانه وتعالى يدعو في كتابه المجيدِ عباده إلى الإسراع إلى الاستغفار والتوبة ، فيقول: (وَسَارِعُواْ إِلَى مَغْفِرَةٍ مِّن رَّبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ)(33)، (وَسَارِعُواْ) أي بادروا (إِلَى مَغْفِرَةٍ مِّن رَّبِّكُمْ) بالإتيان بما يكون سبباً للمغفرة، وهو الاستغفار والتوبة.

ويقول تعالى في آية أخرى: (إِنَّمَا التَّوْبَةُ عَلَى الله لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السُّوَءَ بِجَهَالَةٍ ثُمَّ يَتُوبُونَ مِن قَرِيبٍ فَأُوْلَـئِكَ يَتُوبُ اللهُ عَلَيْهِمْ وَكَانَ اللهُ عَلِيماً حَكِيماً*وَلَيْسَتِ التَّوْبَةُ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ حَتَّى إِذَا حَضَرَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ إِنِّي تُبْتُ الآنَ وَلاَ الَّذِينَ يَمُوتُونَ وَهُمْ كُفَّارٌ أُوْلَـئِكَ أَعْتَدْنَا لَهُمْ عَذَاباً أَلِيماً)(34)، فيستفاد من هذه الآية الكريمة أنّ قبول الله لتوبة عباده مشروط بأن لا يتوب المذنب عندما يرى علائم الموت قد أحاطت به،  يقول تعالى: (وَلَيْسَتِ التَّوْبَةُ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ حَتَّى إِذَا حَضَرَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ إِنِّي تُبْتُ الآنَ) أي ولا توبة للذين يذنبون ويسوّفون التوبة إلى أن يروا علائم الموت قد أحاطت بهم، فإنّها توبةُ المضطر الذي يريد الخلاص من العقاب الإلهي، لا أنّها توبة النادم العائد إلى ربّه اختياراً، أمّا الذين يتوبون إلى الله تعالى (مِن قَرِيبٍ) أي: قبل أن يرووا علامات الموت فإنّ توبة هؤلاء مقبولة لأنّهم أنابوا إلى الله تعالى مخلصين نادمين قبل أن تتبين لهم سكراتُ الموت، وقبل أن يحسوا بأنّهم على أعتابه، فهؤلاء صادقون في توبتهم مخلصون في إنابتهم.

إنَّ تسويف الاستغفار والتوبة من أهمّ أسباب سوء الخاتمة، فإنّ العبد لا يزال غارقاً في ذنوبه، يؤجل الاستغفار والتوبة يوماً بعد يوم، إلى أن يفاجئه الموت، وهنا يندم على عمره الذي قضاه في معصية الله عزّ وجل، ويصيح ويصرخ قائلاً : (رَبِّ ارْجِعُونِ * لَعَلِّي أَعْمَلُ صَالِحًا فِيمَا تَرَكْتُ... ) ولكن هيهات (كَلاَّ إِنَّهَا كَلِمَةٌ هُوَ قَائِلُهَا وَمِن وَرَائِهِم بَرْزَخٌ إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ) (35).

فبادر أيّها المذنب إلى الاستغفار والتوبة من ذنوبك مهما عظمت، فإنّ الله وعد عباده في كتابه المجيد بأنْ يغفر لهم جميع الذنوب إذا تابوا منها في حياتهم، وإياك وتأخيرهما وتسويفهما لكي لا تندم حين لا ينفع الندم.

إنّ ترك الاستغفار وتسويف التوبة ليسا من سمات المتقين وصفاتهم، فالمتقون من صفاتهم وسماتهم أنّهم دائموا الاستغفار، قال تعالى واصفاً المتقين: (وَبِالْأَسْحَارِ هُمْ يَسْتَغْفِرُونَ)(36)، وقال عنهم في آية أخرى: (وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُوا اللهَ فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ وَمَنْ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلاَّ اللهُ وَلَمْ يُصِرُّوا عَلَى مَا فَعَلُوا وَهُمْ يَعْلَمُونَ * أُوْلَئِكَ جَزَاؤُهُمْ مَغْفِرَةٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَجَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَنِعْمَ أَجْرُ الْعَامِلِينَ) (37).

ففي هذه الآية الكريمة يذكر الحقُّ سبحانه مجموعةً من صفاتِ المتقين، ويذكر من جملتها الاستغفار، فالمتقون إذا صدرت منهم معصيةٌ (ذَكَرُوا اللهَ) أي تذكروا أنّهم بفعلهم للمعصية تجرؤوا على الله وأنّهم خالفوه فيما نهى عنه، وأنّه تعالى سيعاقبهم عليها (فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ) أي طلبوا غفران الله لذنوبهم ومعاصيهم، وندموا على فعلهم لها، ثم يقول تعالى: (وَمَنْ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلاَّ اللهُ) (وهو استفهام استعطافي، فالقرآن الحكيم يستعطف المذنبين نحو التوبة والاستغفار)(38)، ثم يقول تعالى: (وَلَمْ يُصِرُّوا عَلَى مَا فَعَلُوا) من المعاصي بل أقلعوا عنها وندموا عليها، فهؤلاء المتقون يعيشون حالة البصيرة التي أشار الله إليها في آية أخرى وذكرها على أنّها من ثمار التقوى، قال تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تَتَّقُوا اللهَ يَجْعَلْ لَكُمْ فُرْقَاناً وَيُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ وَاللهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ)(39).

فمن ثمار التقوى وآثارها أنّ الإنسان المتقي يتملك بصيرة يميّز بها بين الحقّ والباطل وبين الخير والشر وبين السليم والسقيم وبين الصواب والخطأ، وبين الحسن والقبيح وبين الصديق والعدو، وبين الفوائد والأضرار، وبين عوامل السعادة وعوامل الضياع والشقاء، فهو يعلم أنّ الذنوب عامل شقاء وضياع له، ويعرف أنّ الاستغفار والتوبة عاملا سعادة وهناء وراحة له؛ لذا يحاول جاهداً أن لا يقع فريسة للشيطان ووساوسه، ولنفسه الأمارة وشهواتها، وإذا حصل أن صدرت منه معصية أو اقترف ذنباً أو مخالفة شرعية فهو يلجأ مباشرة إلى الله مستغفراً من ذنوبه، تائباً إليه منها، فلا يصر على ممارسة الذنوب ولا يسوّف الاستغفار والتوبة. 

أمّا الإنسان غير المتقي المنغمس في فعل الذنوب والمخالفات الشرعية، يفتقد البصيرة والفرقان الذي يميّز به بين الحق والباطل، فيكون عرضة لمصائد الشيطان ووساوسه، فبعد أن انجرّ إلى المعصية ودفعه الشيطان إليها، يأتيه الشيطان موسوساً له مرة أخرى طالباً منه تأخيرَ الاستغفارِ وتسويفَ التوبةِ، وهذا الإنسان يستمع إلى ما يمليه عليه الشيطان من أباطيل، وكأنها نصائح صديق حميم وناصح أمين فيؤخر الاستغفار ويسوف التوبة، وهذا جانب مهم ينبغي للغافلين أن يتنبّهوا إليه ويحذروا من مغباته.

إنّ الله سبحانه وتعالى يخبرنا في القرآن الكريم أنّ الشيطان لنا عدو وعلينا أن نتخذه عدواً وأن نتعامل معه على هذا الأساس، يقول تعالى : (إِنَّ الشَّيْطَانَ لَكُمْ عَدُوٌّ فَاتَّخِذُوهُ عَدُوّاً إِنَّمَا يَدْعُو حِزْبَهُ لِيَكُونُوا مِنْ أَصْحَابِ السَّعِيرِ)(40) فالله يخاطب الناس جميعاً ويقول لهم (إِنَّ الشَّيْطَانَ) الذي يدعوكم إلى الكفر بالله والشرك به، ويدعوكم إلى العصيان هو (لَكُمْ عَدُوٌّ) يريد لكم الشقاء والهلاك والعذاب، (فَاتَّخِذُوهُ عَدُوّاً)، أي تعاملوا معه تعامل العدو مع عدوّه، بأن لا تطيعوه، وتيقّضوا لمكره ولخداعه، فاجتنبوه، إن هذا الشيطان (إِنَّمَا يَدْعُو حِزْبَهُ) أي أنصاره وأعوانه وأتباعه من العصاة والمذنبين (لِيَكُونُوا مِنْ أَصْحَابِ السَّعِيرِ) أي من أصحاب النار المستعرة الملتهبة .

____________________________

(1)  الكافي ج2 ص 374 .

(2)الروم: 41.

(3) الشورى: 30 .

(4) نعم بالرغم من هذا العموم الموجود في هذه الآية الكريمة وشمولها لكل المصائب لكن كما هو معلوم توجد استثناءات لكل عام، مثل المشاكل والمصائب والمصاعب التي أصابت الأنبياء وبعض عباد الله الصالحين، فإنها ليست لأنهم اقترفوا الذنوب وإنما هي اختبار لهم لرفع مقاماتهم عند الله سبحانه وتعالى، ففي صحيحة علي بن رئاب قال: سألت أبا عبد الله "عليه السلام" عن قول الله عزّ وجل: (وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ) (أرأيت ما أصاب عليّاً وأهل بيته "عليهم السلام" من بعده هو ما كسبت أيديهم وهم أهل بيت طهارة معصومون؟ فقال: إن رسول الله "صلى الله عليه وآله" كان يتوب إلى الله ويستغفر في كل يوم وليلة مائة مرة من غير ذنب،  إن الله يخص أولياءه بالمصائب ليأجرهم عليها من غير ذنب ) . (الكافي ج2 ص 450). 

(5)فاطر: 45 .

(6) النحل: 61.

(7) الكافي ج2 ص 269.

(8) اختلج: انتفض وتحرّك.

(9) أمالي الشيخ الطوسي/ص 570.

(10) الكافي ج2 ص 445.

(11) بحار الأنوار ج 70 ص 350 .

(12) لقد أثر عن نبي الأمّة الأكرم "صلى الله عليه وآله" أنّه قال: (ألا أَدُلُّكم على دائكم ودوائكم؟ ألا إنَّ داءكم الذنوب ودواءكم الاستغفار) (كنز العمّال ج1 ص 480). وفي رواية أخرى عنه "صلى الله عليه وآله" أنّه قال: (لكل داء دواء، ودواء الذنوب الاستغفار) (ثواب الأعمال وعقاب الأعمال/ص 164).

(13) التوبة لغة: الرجوع وتنسب إلى العبد وإلى الله تعالى، ومعناها على الأول: الرجوع عن المعصية إلى الطاعة، وعلى الثاني: الرجوع عن العقوبة إلى اللطف والتفضل، وفي الاصطلاح: الندم على الذنب.

(14) البقرة: 222.

(15) غافر : 7-9.

(16) الفرقان: 68- 70 .

(17) آل عمران: 133 .

(18) النساء: 110.

(19) النساء: 64.

(20) هود: 52.

(21) هود: 61.

(22) هود: 89-90.

(23) نوح: 10-12.

(24) الزمر: 53.

(25) التوبة: 80.

(26) النحل: 97 .

(27) الروم: 10.

(28) الكافي ج2 ص 269.

(29) الكافي ج2 ص 273 .

(30) الأعراف: 27.

(31) المطففين: 14. 

(32) المنافقون: 5.

(33) آل عمران: 133.

(34) النساء: 17-18.

(35) المؤمنون: 99.

(36) الذاريات: 18.

(37) آل عمران: 135-136.

(38) تقريب القرآن إلى الأذهان للسيد محمد الحسيني الشيرازي ج1 ص 394.

(39) الأنفال: 29.

(40) فاطر: 6.

 
شارك بتعليقك حول هذا الموضوع
الاسم
التعليق
من
أحرف التأكيد Security Image
 
جميع التعليقات خاضعة للمراقبة ، تجنباً للمشاركات الهدامة !