من حقوق اليتيم في الإسلام               دواء الذنوب - الحلقة الثالثة                دواء الذنوب - الحلقة الثانية               (الحديث الثامن) النميمة               دواء الذنوب - الحلقة الأولى               التوبــــة               (الحديث السابع) الزنا               (الحديث السادس) الكذب .. حرمته .. أثاره .. أنواعه               (الحديث الخامس) الغيبة               ظواهر سلبية               
الأربعون حديثاً
 
 
(الحديث الثامن) النميمة
شبكة الحقيقة - 2013/08/01 - [عدد القراء : 137]
 

النميمة

قال العلامة الكليني في الكافي: (محمد بن يحيى، عن أحمد محمد، عن محمد بن عيسى، عن يوسف بن عقيل، عن محمد بن قيس، عن أبي جعفر عليه السلام قال: (محرّمة الجنة على القتاتين المشائين بالنميمة) الكافي 2/369 .

نظرة في سند الحديث:

هذا الحديث رواه ثقة الإسلام العلامة الكليني عن محمد بن يحيى، وهو ثقة، وهو رواه عن أحمد بن محمد وهو ثقة أيضا، وهو رواه عن الثقة محمد بن عيسى، وهو عن الثقة يوسف بن عقيل، وهو رواه عن محمد بن قيس أبو عبد الله البجلي وهو ثقة عين، وهو رواه عن الإمام المعصوم محمد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب المعروف بالباقر عليه السلام، فالحديث صحيح.

النميمة:

إنّ من مسؤوليات أفراد المجتمع المسلم أن ينطلقوا من منطلق إصلاح ذات البين ورفع سوء التفاهم وتهيئة الأرضية المناسبة لإيجاد جوّ من حسن الظنّ بين الأطراف المتخاصمة والمتنازعة، ويعملوا على تهدئة التوتر الناشئ من حالات الشجار والتنازع، قال الحقّ سبحانه وتعالى: (إنّما المؤمنون إخوةٌ فأصلحوا بين أخويكم واتّقوا اللّه لعلّكم ترحمون) (الحجرات:10)، وقال سبحانه وتعالى أيضا: (لا خير في كثير من نجواهم إلا من أمر بصدقة أو معروف أو إصلاح بين النّاس ومن يفعل ذلك ابتغاء مرضاة اللّه فسوف نؤتيه أجرا عظيما) [سورة النساء : 114]، وقال النبي صلى الله عليه وآله وسلّم لأبي أيوب الأنصاري رضي الله عنه: (يا أبا أيّوب، ألا أدلّك على صدقة ترضي اللّه ورسوله بموضعها؟ فقال: بلى، قال: تصلح بين النّاس إذا تفاسدوا، وتقرّب بينهم إذا تباعدوا).

إلاّ أنّه – ومع الأسف الشديد جدّا - فإنّ البعض ولأسباب معينة ودوافع مختلفة يتحركون على خلاف ذلك وفي العكس من هذا الاتجاه، وكأنّهم يريدون صبّ الزيت على النّار ويرغبون في اتساع دائرة الخلاف والشجار والتنازع، ومن المعلوم أنّ هؤلاء الأفراد، سيشتركون في إثم جميع المفاسد المترتبة على هذا التنازع والشجار، قال الله سبحانه وتعالى: (... ومن يشفع شفاعة سيّئة يكن له كفلٌ منها وكان اللّه على كلّ شيء مقيتا ) النساء/85 . فهؤلاء هم الذين يوصلون كلام هذا الطرف إلى الطرف الآخر وبالعكس بهدف الوقيعة بينهما، وهذا هو معنى النميمة، فهي: أن يسعى أحدٌ في نقل كلام شخص على شخص إلى ذلك الشخص المقول فيه ذلك الكلام بقصد إيقاع الفتنة بينهما، فتعدّ النميمة من أكبر عوامل التفرقة، وأهمّ أسباب الفتنة، فهي تقضي على الوئام والمحبة بين أفراد المجتمع، وتفضي  إلى نشر الضغائن والأحقاد والكراهية بينهم، وتارة تؤدي إلى تلاشي الأسر وتمزيقها بل وتكون أحيانا سببا إلى سفك الدماء المحرّمة، ولذلك ورد الذّم الشديد في الشريعة الإسلامية للنميمة والنمام، قال الله سبحانه وتعالى في كتابه المجيد: (ولا تطع كلّ حلّاف مّهين * همّاز مّشّاء بنميم * منّاع لّلخير معتد أثيم * عتلّ بعد ذلك زنيم)، وقال سبحانه وتعالى أيضا: (ويلٌ لّكلّ همزة لّمزة)، فالهمزة هو النّمام، واللّمزة هو من يغتاب الآخرين ممن لا تجوز غيبتهم، وكذلك ورد في الروايات الشريفة التحذير من النميمة والزجر عنها والوعيد لفاعلها، ففي صحيحة عبد الله بن سنان عن الإمام الصادق عليه السلام قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله: (ألا أنبئكم بشراركم؟ قالوا: بلى يا رسول الله . قال: المشاؤون بالنميمة المفرّقون بين الأحبّة، الباغون للبراء المعائب) .

وقال صلى الله عليه وآله لأبي ذرّ الغفاري رضوان الله تعالى عليه: ( يا أبا ذر صاحب النميمة لا يستريح من عذاب الله في الآخرة)، وقال صلى الله عليه وآله وسلّم : (إنّ أحبّكم إلى اللّه أحاسنكم أخلاقا, الموطّئون أكنافا الّذين يألفون ويؤلفون, وإنّ أبغضكم إلى اللّه المشّاءون بالنّميمة، المفرّقون بين الإخوان، الملتمسون للبرآء العنت)، وتعدّ النميمة من موجبات عذاب القبر، بهذا جاءت الروايات الشريفة، فعن النبي الأكرم صلى الله عليه وآله وسلّم أنّه قال: ( من مشى بنمية بين اثنين سلّط الله عليه نارا تحرقه في قبره إلى يوم القيامة) (قناطر الخيرات ج3 ص 169)، وينقل أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلّم مرّ على قبرين فقال: (أما إنّهما ليعذّبان وما يعذّبان في كبير، ثم قال بلى، إنه لكبير، أمّا أحدهما فكان يمشي بالنّميمة، وأمّا الآخر فكان لا يستبرئ من بوله، قال الراوي فدعا بعسيب رطب فشقّه باثنين، ثمّ غرس على هذا واحدا، وعلى هذا واحدا، ثمّ قال: لعلّه أن يخفّف عنهما ما لم ييبسا)، وعنه صلى الله عليه وآله وسلّم أنّه قال: ( لا يدخل الجنّة نمامٌ ) .

فيستفاد مما أوردناه من آيات وروايات أنّ النميمة من الذنوب الكبيرة والخطرة جدا، فالأشخاص الذين يمارسون النميمة فيفرّقون بين الأحبة والأصدقاء والأقرباء لا يرون سيماء الجنة أبدا إلاّ بأن يتوبوا من ذنبهم هذا، ويصلحون قدر الإمكان ما أفسدوه بنميمتهم، فعسى أن يتوب الله عليهم وأن تشملهم رحمته.

وأما البواعث والدوافع التي تدفع البعض إلى ممارسة النميمة عديدة، فكل ما ذكرناه من أسباب في دوافع الغيبة يمكن أن يكون شببا للنميمة أيضا، ومنها التودد والزلف للمحكي له بنم الأحاديث إليه، ومن أسبابها أيضا هتك المحكيّ عنه والوقيعة فيه، فإن كان المراد هتكه والوقيعة فيه مؤمنا، فهو محرّم في الشريعة الإسلامية، وكذلك يعدّ هتك المؤمن والوقيعة فيه أذيّة له، وأذيّة المؤمن مما ورد التحذير منها وهي إثمٌ عظيمٌ ومعصيةٌ كبيرةٌ، ففي صحيحة هشام بن سالم قال: سمعت أبا عبد الله عليه السلام يقول: قال الله عزّ وجل: (ليأذن بحرب مني من آذى عبدي المؤمن، وليأمن غضبي من أكرم عبدي المؤمن، ولو لم يكن من خلقي في الأرض فيما بين المشرق والمغرب إلاّ مؤمن واحد مع إمام عادل لاستغنيت بعبادتهما عن جميع ما خلقت في أرضي ولقامت سبع سماوات وأرضين بهما، ولجعلت لهما من إيمانهما أنسا لا يحتاجان إلى أنس سواهما) (موسوعة الإمام الصادق ج15 ص 224)، وعن النبي صلى الله عليه وآله عن الله تعالى أنّه قال: (من أهان لي وليّا فقد أرصد لمحاربتي) (الكافي 2/351). وقال صلى الله عليه وآله: (من آذى مؤمنا فقد آذني، ومن آذاني فقد آذى الله، ومن آذى الله فهو ملعونٌ في التوراة والإنجيل والزبور والفرقان) (الحكم الزاهرة ص 296).

كيف نتعامل مع النّمام؟:

إنّ النمام يعد من أخطر المفسدين وأشدّهم إساءة وشرّا للناس،  فيجب الحذر منه وإفشال خططه ومساعيه في الإفساد بين النّاس وتعكير صفو المودة والمحبة بينهم، وذلك باتباع الإرشادات والنصائح التالية:

أولا: أن لا يصدّق النّمام لأنّه فاسقٌ لتلبسه بذنب النميمة وغيرها من الذنوب التي تكون النميمة سبباً في ارتكابها والتلبس بها، فالله سبحانه وتعالى يقول: (يا أيّها الّذين آمنوا إن جاءكم فاسقٌ بنبأ فتبيّنوا أن تصيبوا قوما بجهالة فتصبحوا على ما فعلتم نادمين) (الحجرات:6).

ثانيا: أن ينهى النمام عن النميمة ويقبّح له فعله؛ لأنّ ذلك واجبٌ من باب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.

ثالثا: أن لا يظنّ المؤمن سوءاً بأخيه المؤمن بمجرّد النّم عليه، لأنّ سبحانه وتعالى يقول: (يا أيّها الّذين آمنوا اجتنبوا كثيرا من الظّنّ إنّ بعض الظّنّ إثمٌ) (الحجرات: 12).

رابعا: أن لا تبعث النميمة المؤمن على التجسس للتحقق من حقيقة ما نقله له النمام لقوله تعالى: ( ولا تجسسوا ) (الحجرات: 12).

خامسا: إذا تيقن المؤمن من صدق ما نقله له النّمام فعليه أن لا يقابل الإساءة بالإساءة وإنما عليه أن يعفو ويصفح ويسامح فإنّ العفو عن المسيء والصفح عنه من الأخلاق الفاضلة الحميدة، وقد امتدح الله المتخصلين بهذه الخصلة فقال سبحانه وتعالى: (وسارعوا إلى مغفرة مّن رّبّكم وجنّة عرضها السّماوات والأرض أعدّت للمتّقين‏ * الّذين ينفقون في السّرّاء والضّرّاء والكاظمين الغيظ والعافين عن النّاس واللّه يحبّ المحسنين) .

 
شارك بتعليقك حول هذا الموضوع
الاسم
التعليق
من
أحرف التأكيد Security Image
 
جميع التعليقات خاضعة للمراقبة ، تجنباً للمشاركات الهدامة !