من حقوق اليتيم في الإسلام               دواء الذنوب - الحلقة الثالثة                دواء الذنوب - الحلقة الثانية               (الحديث الثامن) النميمة               دواء الذنوب - الحلقة الأولى               التوبــــة               (الحديث السابع) الزنا               (الحديث السادس) الكذب .. حرمته .. أثاره .. أنواعه               (الحديث الخامس) الغيبة               ظواهر سلبية               
بحوث ومقالات» بحومث ومقالات أخلاقية
 
 
دواء الذنوب - الحلقة الثانية
شبكة الحقيقة - 2013/08/17 - [عدد القراء : 291]
 

دواء الذنوب

الاستغفار والتوبة
-2-

ثمار الاستغفار والتوبة:

إن أعظم ثمرة للاستغفار والتوبة هي أن الله سبحانه وتعالى يعود على عبده بالصفح والتجاوز عنه والستر عليه، فبعد أن كان هذا العبد متعرضاً لسخط الله ومستحقاً لعقابه وعذابه بسبب ما اقترفته يده من ذنوب، فإنه بتركه لها وندمه على فعله لها فإن الله عزّ وجل يعفو عنه، ويتجاوز عن سيئاته، ويستر عليه أيضاً، والستر هو ثمرة أخرى من ثمار الاستغفار والتوبة، فإن المذنب إذا لم يتب من ذنوبه، ومات وهو مصر عليها، فإن الله يفضحه يوم القيامة على الرغم من أنّ الله يحب الستر على عباده إلاّ أنّ فظاعة الذنب والاستمرار عليه أوجب فضحه على رؤوس الأشهاد، ولله طرق وأساليب عديدة في فضح العصاة المذنبين المجرمين، فالعصاة يحشرون من قبورهم ووجوههم مسودة، قال تعالى: (يَوْمَ تَبْيَضُّ وُجُوهٌ وَتَسْوَدُّ وُجُوهٌ)(1)، وبعض العصاة ممن عمل ذنوباً مخصوصة يفضحه الله في ساحة المحشر، فيحشره على هيئة مخصوصة، فمثلاً المتكبر فإنّه يحشر صغيراً بحجم الذر – النمل الصغير- وهو في صورة إنسان، فيعلم أهل المحشر أنّه كان من المتكبرين، قال رسول الله "صلى الله عليه وآله" : (يحشر المتكبرون يوم القيامة أمثال الذّر في صور الرجال يغشاهم الذّل من كل مكان) (2)  وآكل الربا يحشر يوم القيامة كالمجنون يقوم فيسقط ويتخبط كالمصاب بالمس، قال تعالى: (الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبَا لا يَقُومُونَ إِلا كَمَا يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطَانُ مِنَ الْمَسِّ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا إِنَّمَا الْبَيْعُ مِثْلُ الرِّبَا وَأَحَلَّ اللهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا) (3)، فيعلم من كان في ساحة المحشر أنّه كان يأكل الربا في الحياة الدنيا، وشارب الخمر ورد في بعض الرّوايات أنّه يحشر يوم القيامة وقدح الخمر معلق في عنقه، فيعرف النّاس أنّه ممن كان يعاقر الخمرة في الحياة الدنيا، أما الإنسان الذي عصى الله تعالى لكنه تاب من ذنوبه واستغفر الله منها، فإنّ الله يتوب عليه، فلا يعذبه بسبب هذه الذنوب، ولا يعيّره بها، بل يغفرها له ويسترها عليه فلا يفضحه يوم القيامة بشيء منها، فيكون بعد التوبة والاستغفار كمن لا ذنب له، فقد أثر عن النبي "صلى الله عليه وآله" أنّه قال: (التائب من الذنب كمن لا ذنب له) (4).

وعن الإمام محمد بن علي الباقر "عليه السلام" قال: (التائب من الذنب كمن لا ذنب له، والمقيم على الذنب وهو مستغفر منه كالمستهزئ) (5).

وفي صحيحة معاوية بن وهب قال سمعت أبا عبد الله  "عليه السلام" يقول: (إذا تاب العبد توبة نصوحاً، أحبّه الله فستر عليه في الدنيا والآخرة. فقلت: وكيف يستر عليه؟ قال: ينسي ملكيه ما كتبا عليه من الذنوب، ويوحي إلى جوارحه اكتمي عليه ذنوبه، ويوحي إلى بقاع الأرض اكتمي ما كان يعمل عليك من الذنوب، فيلقى الله حين يلقاه وليس شيء يشهد عليه بشيء من الذنوب) (6).

وينبغي أن ننبه هنا إلى أن ابتعاد العبد عن المعصية أفضل من فعله لها ثم التوبة منها، لأن هناك آثاراً سلبية للمعصية تلحق بالعبد العاصي لا تزول حتى بعد التوبة، ويمكن الاستشهاد لهذا المعنى بالرّواية المنسوبة إلى النبي "صلى الله عليه وآله" أنّه قال: (من قارف ذنباً فارقه عقل لا يرجع إليه أبداً) (7)، فتدل هذه الرّواية على أن من ارتكب معصية يفارقه من علقه شيء لا يرجع إليه أبداً حتى وإن تاب،  فيكون الإنسان غير المذنب من هذه الجهة أفضل ممن ارتكب المعصية ثم تاب منها.

ومن ثمار وآثار الاستغفار والتوبة أنّهما سبب في صفاء النفس ونقائها، فإن من آثار الذنوب السلبية أنّها تصيب النفس الإنسانية بالتكدر والظلمة وعدم الصفاء، والاستغفار والتوبة هما سبب في عودة النفس إلى صفائها ونقائها وطهارتها التي كانت عليها قبل الذنب، ففي الرّواية عن النبي "صلى الله عليه وآله" قال: (إن المؤمن إذا أذنب كانت نكتة سوداء في قلبه، فإن تاب ونزع واستغفر صقل قلبه منه،  وإن زاد زات حتى تعلو قلبه، فذلك الران الذي ذكر الله عزّ وجل في كتابه "كَلاَّ بَلْ رَانَ عَلَى قُلُوبهمْ مَا كَانُوا يَكْسِبُونَ")(8)، فقوله "صلى الله عليه وآله" : (فإن تاب ونزع واستغفر صُقِلَ قلبه منها)  يدل على أن أثر الاستغفار والتوبة على النفس في عودتها إلى صفائها ونقائها بعد تلوثها بأثر المعاصي كبير جداً عبر عنه صلوات الله وسلامه عليه بالصقل.

ولعل استعماله "صلى الله عليه وآله" عليه لفظة "صقل" دون غيرها من الألفاظ التي تدل على إزالة الشيء بعد أن علق به؛ لأن لفظة "صقل" لا تدل على الإزالة فقط، بل تدل على الإزالة مع الجلاء واللمعان، فدلَّ ذلك على أن الاستغفار والتوبة من المعاصي يعيدان النفس إلى صفائها ونقائها وطهارتها، يعيدانها إلى حالتها الأولى قبل فعل صاحبها للمعصية.

ومن ثمار وآثار الاستغفار أنّه أمان من العقوبة والعذاب، قال الله سبحانه وتعالى: (وَمَا كَانَ اللهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنتَ فِيهِمْ وَمَا كَانَ اللهُ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ)(9)، فيستفاد من هذه الآية الكريمة أن الاستغفار أمان لعباد الله المستغفرين، فهو سبب في دفع العذاب ورفعه عنهم، قال الإمام محمد بن علي الباقر "عليه السلام" : (كان رسول الله "صلى الله عليه وآله" والاستغفار حصنين حصينين لكم من العذاب، فمضى أكبر الحصنين وبقي الاستغفار، فأكثروا منه فإنه ممحاة للذنوب وإن شئتم فاقرؤا: "وَمَا كَانَ اللهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنتَ فِيهِمْ وَمَا كَانَ اللهُ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ") (10).

فإذا تُرك الاستغفار فإن البشر سيفقدون الأمن من عذاب الله؛ بسبب ما اقترفوه من الذنوب، وما فعلوه وارتكبوه من جرائم ومخالفات شرعية، وهذا العذاب والعقاب قد يأتي في صور مختلفة كالحوادث الطبيعية المؤلمة مثل السيول الجارفة والزلازل المدمرة أو كالحروب المهلكة أو كالأمراض الفتاكة أو كغيرها من صور العذاب المتنوعة.

وهناك سؤال يدور في ذهن الكثيرين وهو : لماذا يرفل بعض العصاة والمجرمين في الخيرات والنعيم، دون أن يلحقهم شيء من العذاب والعقاب الإلهي، ودون أن تؤثر ذنوبهم ومعاصيهم في سلب النعم والخيرات التي رزقهم الله سبحانه منهم؟

وفي الجواب على هذا السؤال نقول:

يستفاد من بعض الآيات القرآنية أن الله قد يمد البعض من العصاة بالنعم الكثيرة وهو بذلك يستدرجهم فيأخذهم فجأة وهم في ذروة التنعم، ويسلب منهم كل شيء وهم  في أوج اللذة والتمتع ليكونوا بذلك أشقى من كل شقي، وليروا في هذه الحياة أكبر قدر ممكن من العذاب؛ لأن الحرمان من مثل ما هم به من نعيم، وفقدانهم فجأة لما هم به من لذّة، يعد أشد وقعاً وألماً على نفوسهم، يقول تعالى: (فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَاب كُلّ شَيْء حَتَّى إِذَا فَرِحُوا بِمَا أُوتُوا أَخَذْنَاهُمْ بَغْتَة فَإِذَا هُمْ مُبْلِسُونَ)(11) .

ثم لقد ورد في بعض الروايات أنّ من جملة المؤاخذات التي يؤاخذ الله سبحانه بها عبده بسبب ذنوبِه أنّه يضيّق عليه في رزقه، فيعيش الفقر والفاقة والحاجة، فعن النبي "صلى الله عليه وآله" أنّه قال: (إن العبد يحرم الرزق بِالذنب يصيبه) (12).

وعن الإمام جعفر بن محمد الصادق "عليه السلام" أنّه قال: (إنّ الذنب يحرم العبد الرّزق) (13).

وعنه "عليه السلام" أنّه قال: (إنّ الدعاء ليرد القضاء، وإن المؤمن ليذنب الذنب فيحرم بذنبه الرّزق) (14).

وعن الإمام محمد بن علي الباقر "عليه السلام" قال: (إنّ الرجل ليذنب الذنب فيدرأ عنه الرّزق، وتلا هذه الآية : "... إِذْ أَقْسَمُوا لَيَصْرِمُنَّهَا مُصْبِحِينَ * وَلَا يَسْتَثْنُونَ* فَطَافَ عَلَيْهَا طَائِفٌ مِنْ رَبِّكَ وَهُمْ نَائِمُونَ") (15).

وذكر الله عزّ وجل في القرآن الكريم قصة قوم سبأ الذين أنعم عليهم سبحانه بالنعم الكثيرة والخيرات الوفيرة ولكنّهم لما أن كفروا بهذه النعم والخيرات وأعرضوا عن الحق وانحرفوا في طريق الضلال ضيّق الله سبحانه عليهم في أرزاقهم فسلبهم الكثير مما أنعم عليهم، قال تعالى: (لَقَدْ كَانَ لِسَبَإٍ فِي مَسْكَنِهِمْ آَيَةٌ جَنَّتَانِ عَنْ يَمِينٍ وَشِمَالٍ كُلُوا مِنْ رِزْقِ رَبِّكُمْ وَاشْكُرُوا لَهُ بَلْدَةٌ طَيِّبَةٌ وَرَبٌّ غَفُورٌ* فَأعْرَضُوا فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ سَيْلَ الْعَرِمِ وَبَدَّلْنَاهُمْ بِجَنَّتَيْهِمْ جَنَّتَيْنِ ذَوَاتَيْ أُكُلٍ خَمْطٍ وَأَثْلٍ وَشَيْءٍ مِنْ سِدْرٍ قَلِيلٍ*ذَلِكَ جَزَيْنَاهُمْ بِمَا كَفَرُوا وَهَلْ نُجَازِي إِلاَّ الْكَفُورَ)(16). وهذا بعكس ما إذا تاب العبد من ذنوبه واستغفر الله سبحانه وتعالى منها والتزم بطاعته سبحانه وعاش التقوى، فإنّ الله سبحانه سيجعل له من كل هم فرجاً، ومن كل ضيق مخرجاً، ويرزقه من حيث لا يحتسب، أي يرزقه من جهات وطرق لا يتوقع العبد أن يأتيه الرزق منها، قال تعالى: (...وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا* وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ ...)(17) وقال تعالى في آية أخرى: (وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مِنْ أَمْرِهِ يُسْرًا)(18) وعن الاستغفار يقول النبي المصطفى "صلى الله عليه وآله" : (من لزم الاستغفار جعل الله له من كل هم فرجاً ومن كل ضيق مخرجاً ورزقه من حيث لا يحتسب) (19) .

إن الناس يبحثون عن حلول لأزماتهم ومشاكلهم والمصاعب التي تنتابهم، يبحثون عن هذه الحلول هنا وهناك، مع أن القرآن الكريم والسنة الشريفة قد بيّنا المخرج من كل ذلك، وأنه يكمن في الانصياع لتعاليم الله سبحانه وتعالى، والاستقامة على جادة الشريعة الإسلامية، بترك الذنوب، وبالتوبة والاستغفار منها، وملازمة التقوى، فما يعيشه بعض الأفراد أو الجماعات والمجتمعات من تخبط وحيرة للخروج مما ألم بهم من أزمات سببه الابتعاد عن كتاب الله عزّ وجل والسنة الشريفة.

قال الله سبحانه وتعالى عن لسان نبيّه نوحٍ عليه الصلاة والسلام: (فَقُلْتُ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّارًا * يُرْسِلِ السَّمَاءَ عَلَيْكُمْ مِدْرَارًا*وَيُمْدِدْكُمْ بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ وَيَجْعَلْ لَكُمْ جَنَّاتٍ وَيَجْعَلْ لَكُمْ أَنْهَارًا) (20). 

فهذه الآية المباركة الكريمة تشير إلى مجموعة من ثمار وآثار الاستغفار، فالثمرة الأولى التي تشير إليها هذه الآية، هي أنّ الله سبحانه وتعالى يغفر للمستغفرين ذنوبهم، وأمّا الثمرة الثانية فهي نزول المطر بكثرة، أي أنّ من ثمار وآثار الاستغفار أنّ الله سبحانه وتعالى ينزل على عباده المستغفرين قطر السماء، وينزله مدراراً(21)أي أنّ الله سبحانه يرسل إليهم سحباً تمطر أمطاراً متتابعة نافعة يحيى بها الأرض، وينبت بها الزرع والعشب، وتتحلى الأشجار بكثرة الثمار، وترخص الأسعار، وتبسط البركة جناحيها على النّاس، فتكثر أموالهم وأرزاقهم وخيراتهم وكل ذلك بسبب الاستغفار.

وأمّا الثمار الأخرى التي تشير إليها هذه الآية المباركة على أنّها من ثمار وآثار الاستغفار، فهي أنّ الله سبحانه يمدُّ عباده المستغفرين التائبين السائرين في طريق الحق والاستقامة بالذرية والأولاد ويجعل لهم البساتين النضرة الخضراء العامرة بالأشجار والثمار، ويعيشون حالة الوفرة في الماء العذب في ديارهم وأماكنِ سكناهم وتواجدهم  من الأنهار والأفلاج والعيون التي بسببها تكثر الزروع والأشجار والغلات والثمار، وعليه، ففي الآية دليلٌ على أنّ الاستغفار من أعظم أسباب نزول المطر وحصول الأنواع المختلفة من الأرزاق، ويستفاد من مفهوم هذه الآية المباركة أنّ منع السماء والأرض لخيراتِهما، وأنّ قلّت نبات الزرع وعدم البركة في الثمار، وإصابة الأشجار بالعاهات والأمراض، وتلف المزروعات والثمار بسبب هذه الآفات، وجفاف منابعِ الماء وندرته وقلته، إنّما هي بسبب انحراف العباد عن طريق الله القويم وصراطه المستقيم بارتكابهم للذنوب المختلفة، الصغيرة منها والكبيرة، وتسويفهم للاستغفار والتوبة وإصرارهم على الاستمرار في طريق الهوى وعبادة الشهوات والشيطان، كلُّ ذلك عقاباً لهم على تجرئهم على خالقهم ومخالفتهم له في أمره ونهيِه.  

إنَّ الكثيرين من النّاس ممن رزقهم الله سبحانه وتعالى بنعم وخيرات من الأموال والمناصب الرفيعة والمقامات العالية وغيرها من النعم، يستقوون بهذه النعم على معصية الله سبحانه، فيقترفون المعاصي والذنوب بدلاً من أن يؤدوا حق شكرِ هذه النعم، غافلين أو متغافلين عن أنّ ذلك من موجبات سلب النعمة عنهم، قال تعالى: (وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكُمْ لَئِن شَكَرْتُمْ لأَزِيدَنَّكُمْ وَلَئِن كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذَابِي لَشَدِيدٌ) (22)، فإنَّ الله يخبرنا في هذه الآية أنَّ العبد إذا أدى حقَّ شكر النعمة فإنَّ ذلك من موجبات زيادة نعم الله سبحانه عليه، وأنَّ عدم أداء حقِّ شكر النعمة -أي كفران النعمة - موجب لاستحقاق العبدِ لعذاب الله الشديد، ومن عذاب الله الشديد سلب النعمة؛ لأنّ من وجوه شكر النعمة أن لا يستخدمها العبد في معصية الله سبحانه، فمن استقوى بنعم الله على المعاصي فقد كفر بهذه النعم واستحقّ عقاب الله الشديد، وما أشدّه من عذاب أن تبدّل الصحة والعافية بالمرض والسقم، وأن يُبدل الغنى والرياش بالفقر والفاقة، والرخص بالغلاء وارتفاع الأسعار، والأمن والأمان بالخوف وعدم الاطمئنان.

فعلى الإنسان أن يحافظ على ما أنعم الله سبحانه وتعالى به عليه من نعم بالكفِّ عن المعاصي، وإن فعل شيئاً من ذلك عجلّ بالتوبة والاستغفار؛ لأنّه إن لم يُبادر إلى التخلص من الذنوب وآثارها بالاستغفار والتوبة فإنّها – أي الذنوب – تعمل على تدميره في الدّنيا والآخرة، فتجعل حياته الدنيوية جحيماً لا يُطاق من حرمان الرزق وسلب النعم وحصول الآفات والأمراض وغيرها من المصائب والبلايا والكوارث، وفي الآخرة يكون مصيره نزول الحميم وتصلية جحيم، نستجير من ذلك بالعظيم الرحيم.

ثم إنّ الاستغفار والتوبة كما أنّهما سبباً لسعادة العبد في الحياةِ الدنيا فكذلك هما سببا سعادة له في الآخرةِ، فبهما النجاةُ من النّار  والدخول إلى الجنة، قال النبي الأكرم "صلى الله عليه وآله" : (العبد آمن من عذاب الله عزّ وجل ما استغفر الله) (23).

وينقل أنّ الصحابي حذيفة قال: كنتُ ذَرِبَ اللسان على أهلي، قلت: يا رسول الله قد خشيت أن يدخلني لساني النار، فقال له النبي "صلى الله عليه وآله" : (فأين أنت من الاستغفار؟ إني لأستغفر الله في اليوم مائة مرّة) (24).

أين أنت من الاستغفار، هكذا ردّ النبيُّ "صلى الله عليه وآله" على حذيفة، والمعنى يا حذيفة أتخشى النار والمنقذ منها في متناول يديك، ألا وهو الاستغفار.

وقال الله سبحانه وتعالى عن لسان نبيّه هود عليه السلام: (وَيَا قَوْمِ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ يُرْسِلِ السَّمَاءَ عَلَيْكُمْ مِدْرَارًا وَيَزِدْكُمْ قُوَّةً إِلَى قُوَّتِكُمْ وَلَا تَتَوَلَّوْا مُجْرِمِينَ) (25) فالآية الكريمة صريحة في أن الذين لا يستغفرون الله يكونون مجرمين بإصرارهم على المعاصي، ومن المعلومِ أنّ المجرمين في جهنم، قال الله سبحانه وتعالى: (إِنَّ الْمُجْرِمِينَ فِي عَذَابِ جَهَنَّمَ خَالِدُونَ) (26)،  وقال تعالى أيضاً: (وَتَرَى الْمُجْرِمِينَ يَوْمَئِذٍ مُّقَرَّنِينَ فِي الأَصْفَادِ* سَرَابِيلُهُم مِّن قَطِرَانٍ وَتَغْشَى وُجُوهَهُمْ النَّارُ) (27).

والمستغفرون التائبون يدخلون في جملة المتقين، والمتقون مبعدون عن عذاب جهنم، قال تعالى: (وَإِنْ مِنْكُمْ إِلَّا وَارِدُهَا كَانَ عَلَى رَبِّكَ حَتْمًا مَقْضِيًّا * ثُمَّ نُنَجِّي الَّذِينَ اتَّقَوْا وَنَذَرُ الظَّالِمِينَ فِيهَا جِثِيًّا) (28).

وقال الله سبحانه وتعالى: (وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُواْ فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُواْ أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُواْ اللهَ فَاسْتَغْفَرُواْ لِذُنُوبِهِمْ وَمَن يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلاَّ اللهُ وَلَمْ يُصِرُّواْ عَلَى مَا فَعَلُواْ وَهُمْ يَعْلَمُونَ * اُوْلَـئِكَ جَزَآؤُهُم مَّغْفِرَةٌ مِّن رَّبِّهِمْ وَجَنَّاتٌ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَنِعْمَ أَجْرُ الْعَامِلِينَ)(29).

وقال النبي الأكرم "صلى الله عليه وآله" : (من أحب أن تسره صحيفته يوم القيامة فليكثر فيها من الاستغفار) (30).

وقال "صلى الله عليه وآله": (طوبى لمن وجد في صحيفته استغفاراً كثيراً) (31).

وقال "صلى الله عليه وآله" : (طوبى لمن وجد في صحيفته يوم القيامة تحت كل ذنب أستغفر الله) (32).

أثر الاستغفار  في رد كيد الشيطان عن الإنسان

قال النبي المصطفى "صلى الله عليه وآله" لأصحابه يوماً: (ألا أخبركم بشيء إن أنتم فعلتموه تباعد الشيطان منكم كما تباعد المشرق من المغرب؟ قالوا: بلى، قال: الصوم يسوّد وجهه، والصدقة تكسر ظهره، والحب في الله والمؤازرة على العمل الصالح يقطع دابره، والاستغفار يقطع وتينه) (33).

إن الشيطان هو العدو المبين الذي تحدى وتكبر وتجبر، وقرر أن يقعد للناس صراط الله المستقيم، وهو الذي يريد أن يضل النّاس ضلالا بعيدا،  قال الله تعالى: (وَيُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُضِلَّهُمْ ضَلَالًا بَعِيدًا) (34)، ويريد أن يوقع بين الناس العداوة والبغضاء والخصومات، قال الله تعالى: (إِنَّمَا يُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُوقِعَ بَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ) (35)، والشيطان يريد أن يجرّد الناس من سترهم وحيائهم وإيمانهم، قال الله تعالى: (يَا بَنِي آَدَمَ لَا يَفْتِنَنَّكُمُ الشَّيْطَانُ كَمَا أَخْرَجَ أَبَوَيْكُمْ مِنَ الْجَنَّةِ يَنْزِعُ عَنْهُمَا لِبَاسَهُمَا لِيُرِيَهُمَا سَوْآَتِهِمَا)(36)، ولقد أضل الشيطان الكثير من النّاس، وحرفهم عن صراط الله المستقيم، قال تعالى: (وَلَقَدْ أَضَلَّ مِنْكُمْ جِبِلًّا كَثِيرًا أَفَلَمْ تَكُونُوا تَعْقِلُونَ) (37)، ولا يزال الشيطان يصد الناس عن الدين الحق صدودا، يعطيهم من الوعود الكاذبة والأماني الزائفة الكثير الكثير، قال تعالى: (يَعِدُهُمْ وَيُمَنِّيهِمْ وَمَا يَعِدُهُمُ الشَّيْطَانُ إِلَّا غُرُورًا) (38)، فالمطلوب من بني آدم الحذر من هذا العدو، والانتصار عليه والتخلص من فخاخه، بل المطلوب قطع وتينه، ومن أهم السبل للانتصار على الشيطان وقطع وتينه هو الاستغفار الصادق، فالنبي "صلى الله عليه وآله" يقول: (والاستغفار يقطع وتينه) والوتين: عرق متصل بالقلب إذا انقطع مات صاحبه.

فبالاستغفار الصادق ينقطع شر الشيطان عن الانسان، وذُكر فيما سبق، أن الشيطان وبعد أن يوسوس للإنسان ويوقعه في المعصية، يحاول أن يسوفه الاستغفار والتوبة، لعل الموت يدركه وهو لم يتب، فيتعرض لعذاب الله عزّ وجل، وهذا هو المصير الذي يريد الشيطان أن يوصل أبناء آدم إليه، أما إذا استغفر العبد وتاب إلى الله من ذنوبه، وأقلع عن المعاصي فإن خطط الشيطان في جر الإنسان إلى العذاب الإلهي تبوء بالفشل، وبما أن الاستغفار يدفع عن الإنسان كيد الشيطان، ويكف عنه شرّه، كان المؤمنون والصالحون من عباد الله يكثرون من الاستغفار؛ لكي لا يكون للشيطان عليهم سبيلا، قال الله سبحانه وتعالى عن المؤمنين: (آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنزِلَ إِلَيْهِ مِن رَّبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آمَنَ بِالله وَمَلائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ لاَ نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِّن رُّسُلِهِ وَقَالُواْ سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا غُفْرَانَكَ رَبَّنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ)(39)، وقد امتدحهم الله سبحانه فقال عنهم : (كَانُواْ قَلِيلاً مّن اللّيْلِ مَا يَهْجَعُونَ * وَبِالأسْحَارِ هُمْ يَسْتَغْفِرُونَ)(40).

_________________________

(1) آل عمران: 106.

(2) مستدرك الوسائل ج12 ص 31. 

(3) البقرة: 275.

(4) بحار الأنوار ج6 ص 21.

(5) الكافي ج2 ص 436 .

(6) الكافي ج2 ص 432.

(7) ميزان الحكمة ج2 ص 987. 

(8) ميزان الحكمة ج2 ص 261.

(9) الأنفال:33 .

(10) بحار الأنوار ج90 ص 281. 

(11) الأنعام: 44.

(12) عوالي اللئالئ ج2 ص 515.

(13) الكافي ج2 ص 271.

(14) أمالي الشيخ الطوسي، ص  136 .

(15) الكافي ج2 ص 271.

(16) سبأ: 15-17.

(17) الطلاق: 2-3.

(18) الطلاق: 4.  

(19) سنن ابن ماجة ج2 ص 1255 .

(20) نوح: 10-12 . 

(21) والمدرارُ صيغةُ مبالغة من الدّر، وأصل الدّر للبن، ثم استعير للغيث ولكل فائدة ونفع.

(22) إبراهيم: 7 . 

(23) مسند أحمد بن حنبل ج6 ص 20.

(24) المستدرك على الصحيحين ج1 ص 511.

(25) هود :52.

(26) الزخرف: 74.

(27) إبراهيم: 49-50.

(28) مريم: 71- 72.

(29) آل عمران: 135-136.

(30) ميزان الحكمة ج3 ص 2274.

(31) ميزان الحكمة ج3 ص 2274.

(32) ثواب الأعمال وعقاب الأعمال: ص 165.

(33) الكافي ج4 ص 63 .

(34)النساء: 60.

(35)المائدة: 91.

(36)الأعراف: 27.

(37)يس:62.

(38) النساء: 120.

(39) البقرة: 285.

(40) الذاريات: 17-18. 

 
شارك بتعليقك حول هذا الموضوع
الاسم
التعليق
من
أحرف التأكيد Security Image
 
جميع التعليقات خاضعة للمراقبة ، تجنباً للمشاركات الهدامة !