من حقوق اليتيم في الإسلام               دواء الذنوب - الحلقة الثالثة                دواء الذنوب - الحلقة الثانية               (الحديث الثامن) النميمة               دواء الذنوب - الحلقة الأولى               التوبــــة               (الحديث السابع) الزنا               (الحديث السادس) الكذب .. حرمته .. أثاره .. أنواعه               (الحديث الخامس) الغيبة               ظواهر سلبية               
بحوث ومقالات» بحومث ومقالات أخلاقية
 
 
دواء الذنوب - الحلقة الثالثة
شبكة الحقيقة - 2014/06/21 - [عدد القراء : 200]
 

دواء الذنوب

"الاستغفار والتوبة"

 

الاستغفار والتوبة الحقيقيان:

إنّ الاستغفار والتوبة اللذان يدعو اللهُ سبحانه وتعالى إليهما في العديد من آيات كتابه المجيد، وتدعو لهما الروايات الشريفة المأثورة عن النبي "صلى الله عليه وآله" والأئمة الطاهرين "عليهم السلام"، واللذان لهما الثمار والآثار والفوائد التي أشرنا إلى بعضها، هما الاستغفار والتوبة الناتجان من ندم العبد الشديد على حياته الماضية التي قضاها في أجواء الانحراف والطاعة للشيطان والشهوات بعيداً عن طاعة الله سبحانه وتعالى، واللذان يرافقهما العزم بإرادة قوية وتصميم أكيد على عدم الرّجوع إلى ما كان عليه من انحرافات سابقة، (1)  فإذا كان استغفاره وتوبته واجدان لهذين الأمرين كان استغفاره استغفاراً حقيقيّاً صحيحاً وكانت توبته توبة نصوحا.

وعلى العبد العائد إلى ربه المستغفر والتائب من ذنبه أن يراعي أمرين اثنين يعدّان واجبان عليه وهما:

الأول: أن يحصي الفرائض التي فاتته في وقت انحرافه إلى يوم استغفاره وتوبته ويقضي كل ما فاته من هذه الطاعات الواجبة كالصلاة والصيام والحج ويؤدي الحقوق المالية كالزكاة والخمس وما لزمه من كفارات، فلا طريق للاستغفار والتوبة من هذه المخالفات جميعاً إلاّ أن يجتهد في قضائها وأدائها ولا يترك في عهدته شيئاً منها.

الثاني: أن يؤدي إلى الآخرين حقوقهم التي اعتدى عليها أيّام انحرافه وأن يستحلَّ من اعتدائه عليهم في أموالهم وأنفسهم وغير ذلك، ففي الرّواية عن النبي "صلى الله عليه وآله" أنه قال: (لو أخطأ أحدكم خطايا حتى تملأ ما بين السماوات والأرض ثم تاب، تاب الله عليه إلاّ من كانت معه مظلمة من الناس فإنه لا يستجيب له حتى يردها).

وينقل أنّ الإمام أمير المؤمنين علي بن أبي طالب "عليه السلام" سمع شخصاً بحضرته يقول: (أستغفرُ الله) فقال له: ثكلتك أمك أتدري ما الاستغفار؟ الاستغفار درجة العليين، وهو اسم واقع على ستة معان: أولها الندم على ما مضى، والثاني: العزم على ترك العود إليه أبداً، والثالث: أن تؤدي إلى المخلوقين حقوقهم حتى تلقى الله عزَّ وجل أملس ليس عليك تبعة، والرابع: أن تعمد إلى كلِّ فريضة عليك ضيعتها فتؤدي حقّها، والخامس: أن تعمد إلى اللحم الذي نبت على السحت فتذيبه بالأحزان حتى تلصق الجلد بالعظم، وينشأ بينهما لحم جديد، السادس: أن تذيق الجسم ألم الطاعة كما أذقته حلاوة المعصية، فعند ذلك تقول: أستغفر الله(2).

فعلى العبد المستغفر من ذنوبه التائب والعائد إلى الله سبحانه وتعالى أن يكثر من الأعمال الحسنة الصالحة سواء كانت الأعمال الصالحة عبادة روحية أو اجتماعية خيرية فعليه أن يمارسها بشكل واسع وكبير وكثير، فكما ترتفع إلى النفس ظلمة من المعاصي فتجعلها سوداء مظلمة، فكذلك يرتفع نور من الطاعات فينورها، وبهذا النور تنمحي ظلمة المعاصي، فكل ظلمة ارتفعت إلى القلب لا يمحوها إلاّ نور يرتفع إليه من حسنة تضاد تلك السيئة التي ارتكبها، قال رسول الله "صلى الله عليه وآله" : (وجدت الحسنة نوراً في القلب، وزيناً في الوجه، وقوةً في العمل، ووجدت الخطيئة سواداً في القلب، ووهناً في العمل، وشيناً في الوجه) (3).

وإلى حقيقة تأثير الحسنة في محو السيئة أشار القرآن الكريم إلى ذلك في قوله تعالى: (وَأَقِمِ الصَّلاةَ ‏طَرَفَيِ النَّهَارِ وَزُلَفًا مِنَ اللَّيْلِ إِنَّ الحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ ذَلِكَ ذِكْرَى ‏لِلذَّاكِرِينَ) (4)، وقد أكدَّ ‏النبي الأكرم (صلى الله عليه وآله) هذا المعنى ‏حين قال للصحابي معاذ بن جبل (اتَّق اللهَ حيثما كنت وأَتْبع السيّئة الحسنة تمحها وخالق النَّاس بخلق حسن) (5).

وفي رواية أخرى عنه "صلى الله عليه وآله" أنّه قال لأصحابه: (أرأَيتم لو أن نهرا بباب أحدكم يغتسل منه كل يوم خمس مرّات، هل يبقى من درنه شيء؟ قالوا: لا يبقى من درنه شيء، قال: فذلك مثل الصلوات الخمس، يمحو اللّه بهنّ الخطايا) (6).

فهذه الأدلة تدل على أنّ الحسنات تمحو السيئات.

لا بدّ من مجاهدة النفس:

إن المستغفرين التائبين الذين كانوا معتادين على ارتكاب المعاصي ليس من السهولة أن يتخلّوا عنها بسرعة، فالعادة مهما كان نوعها تتحول بمرور الزمن ولكثرة ممارستها والمداومة عليها إلى سجيّة تشبه السجايا الطبيعية في سلوك الإنسان، فالعبد وإن ترك المعاصي عن قناعة، ولكن ليس من البعيد جدّا أن يقع فيها عن غفلة مرة ثانية، فيرجِع بعد الاستغفار والتوبة إلى ما كان عليه من انحراف؛ ولهذا لا بد من أن يقوم العبد بمراقبة ذاتيّة لنفسه ومحاسبتها بشكل يومي، فعليه أنْ يعيّن في كلِّ يوم وليلة وقتاً يحاسب فيه نفسه، فإن وجدها مقصّرة في فعل فريضة ومرتكبة لمعصية عاتبها ولامها لوماً عنيفاً، ووبخها توبيخاً شديداً، وقهرها على بعض الطاعات عقاباً لها على تقصيرها، وإنْ وجدها قد أتت بجميعِ الفرائض والطاعات ولم ترتكب في طول ذلك اليوم شيئاً من المحرمات شكر الله تعالى على ذلك، وطلب منه العون والتوفيق في الاستمرار على هذه الحال.

قال رسول الله "صلى الله عليه وآله" : (حاسبوا أنفسكم قبل أن تحاسبوا، وزنوها قبل أن تُوزنوا، وتجهّزوا للعرض الأكبر) (7).

وقال "صلى الله عليه وآله" : (لا يكون الرجل من المتقين حتى يحاسب نفسه أشد من محاسبة الشريك شريكه، فيعلم من أين مطعمه، ومن أين مشربه؟ ومن أين ملبسه؟ أمن حلٍّ ذلك أم من حرام ؟)(8).

وفي صحيحة إبراهيم بن عمر اليماني عن الإمام موسى بن جعفر الكاظم "عليه السلام" أنّه قال: (ليس منّا من لم يحاسب نفسه في كل يوم فإن عمل حسناً استزاد الله، وإن عمـل سيئاً استغفر الله منـه وتاب إليه) (9).

وقال الإمام أمير المؤمنين علي بن أبي طالب "عليه السلام" : (عباد الله: زنوا أنفسكم من قبل أن توزنوا، وحاسبوها من قبل أن تحاسبوا ) (10).

فمحاسبة النفسِ من أهمّ الطرق والوسائل لمجاهدة النفس الذي دعت إليه الشريعة الإسلامية، فعلى العبد المسلم أن يجاهد نفسه ليكبح جماح الشهوات والرغبات والغرائز وليسيطر عليها ويهذّبها ولا يسمح لها بالتعدي والخروج عن الصراط المستقيم وعليه أن يستجيب لها في حدود الشرع الشريف فقط.

وجهاد النفس ليس بالأمر السهل والبسيط، بل جهادها صعب وشاق وعسير يحتاج إلى صبر قويّ شديد، فالرسول "صلى الله عليه وآله" وصف جهاد النفس بالجهاد الأكبر، فقد ورد أنَّه "صلى الله عليه وآله"  استقبل سرية قد قدمت من جهاد العدو، فقال: (مرحباً بقوم قضوا الجهاد الأصغر وبقي الجهاد الأكبر، فقالوا: يا رسول الله، وما الجهاد الأكبر ؟ قال : جهاد النفس) (11).

فكما أنّ جهاد العدوّ يحتاج إلى صبر شديد يتحلى به المجاهد لصعوبته فكذلك المجاهد لنفسه يحتاج إلى أن يتمتع بصبر أقوى وأشد من الصبر الذي يتمتع به المجاهد في سوح القتال، فنفس الإنسان هي أعدى أعدائه ، فقد ورد في الرواية عن النبيِّ الأكرم "صلى الله عليه وآله" أنه قال : (أعدى أعدائِك نفسك التي بين جنبيك) (12) .

والخلاصة، فإنَّ الانسان المستغفر التائب إلى ربّه مهما كان معتاداً على ارتكاب المعاصي واقتراف السيئات فإنّه بمجرد أن يشتغل بعد التوبة بمجاهدة نفسه فإنَّ الله سبحانه وتعالى سيأخذ بيده إلى طريق الصالحين، قال تعالى: (وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا) (13).

فعلى المستغفر التائب العائد إلى ربّه أنْ لا ينهار أمام مغريات الشهوات ولا يسقط عن درجة التائبين عندما تتهيأ أمامه دواعي الانحراف، فينبغي على التائب المخلص في توبته أن يكون صلباً تقيّاً أمام زخارف الدنيا وشهواتها المحرمة، وأن يكون ورعاً يخشى الله في السرِّ والعلانية، فإن ذلك دليلاً واضحاً على صدق استغفاره وتوبته.

اجتنب رفقاء السوء:

كذلك على المستغفر التائب العائد إلى ربّه سبحانه وتعالى ولكي لا يعود مرةً أخرى إلى ممارسة الذنوب وارتكاب المعاصي أنْ يعتزل الأشخاص ذوي الأخلاق السيئة الذين كانوا سبباً في انحرافه، وعليه أن يفتش عن الأخلاء والأصدقاء والأصحاب والرفقاء الأخيار ويجالسهم ويتخذ منهم أصدقاء جدداً له .

لقد سُئل رسول الله "صلى الله عليه وآله" فقيل له: يا رسول الله ، أيُّ الجلساء خير ؟ قال : (من ذكركم بالله رؤيته ، وزادكم في علمكم منطقه ، وذكركم بالآخرة عمله) (14) .

فعلى المؤمن أن يجالس الأشخاص الذين تزيد مجالستهم في إيمانه وتقواه وورعه والذين يعينونه على فعل العمل الصالح، ويبتعد عن مجالسة ومصاحبة أصحاب الفسوق والفجور الذين يجرون صاحبهم وصديقهم إلى ارتكاب المعاصي واقتراف الذنوب ويشجعونه عليها، ففي الروايةِ عن النبيِّ "صلى الله عليه وآله" قال : (إنما مثل الجليس الصالح والجليس السوء كحامل المسك ونافخ الكير، فحامل المسك إما أن يحذيك وإما أن تبتاع منه وإما أن تجد منه ريحاً طيبةً، ونافخ الكير إما أن يحرق ثيابك وإما أن تجد منه ريحاً خبيثةً) (15).

والحمد لله رب العالمين، وصلى الله على محمد وآله الطيبين الطاهرين.

________________________________

(1) ليس العزم على ترك العود إلى الذنب شرط في تحقق التوبة فيكفي مجرّد الندم في تحققها، فقد ورد في الرّواية عن الإمام الباقر (عليه السلام) أنّه قال: «كفى بالندم توبة»(الكافي ج2 ص 427)، نعم العزم على ترك العود إلى الذنب يشترط في تحقق التوبة النصوح كما يستفاد ذلك من بعض الروايات، ففي صحيحة أبي بصير عن الإمام الصادق (عليه السلام) في قوله تعالى: {تُوبُوا إِلَى اللَّهِ تَوْبَةً نَصُوحًا} قال: «هو الذنب الذي لا يعود فيه أبدا» (الكافي ج2 ص 433) وعن أبي الصباح الكناني قال: سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن قول الله عزّ وجل : {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا تُوبُوا إِلَى اللَّهِ تَوْبَةً نَصُوحًا}قال: «يتوب العبد من الذنب ثم لا يعود فيه...» (الكافي ج2 ص 432) .

 (2) نهج البلاغة ج4 ص 98.

(3) ميزان الحكمة ج1 ص 636.

(4) هود: 114.

(5) المعجم الصغير للطبراني: ص 192.

(6) المجموع للنووي ج3 ص 17. 

(7) بحار الأنوار ج67 ص 73.

(8) بحار الأنوار ج 74 ص 86.

(9) الكافي ج2 ص 454.

(10) بحار الأنوار ج 4 ص 310. 

(11) الكافي ج5 ص 13 .

(12) بحار الأنوار ج67 ص 37.

(13) العنكبوت: 69.

(14) الأمالي للطوسي: ص 157.

(15) صحيح مسلم ج8 ص 38. 

 
شارك بتعليقك حول هذا الموضوع
الاسم
التعليق
من
أحرف التأكيد Security Image
 
جميع التعليقات خاضعة للمراقبة ، تجنباً للمشاركات الهدامة !