من حقوق اليتيم في الإسلام               دواء الذنوب - الحلقة الثالثة                دواء الذنوب - الحلقة الثانية               (الحديث الثامن) النميمة               دواء الذنوب - الحلقة الأولى               التوبــــة               (الحديث السابع) الزنا               (الحديث السادس) الكذب .. حرمته .. أثاره .. أنواعه               (الحديث الخامس) الغيبة               ظواهر سلبية               
الأربعون حديثاً
 
 
(الحديث الأول) شرب الخمر
شبكة الحقيقة - 2010/01/11 - [عدد القراء : 457]
 
الحديث الأول
شرب الخمر
قال الشيخ الصدوق رحمة الله عليه: ( أبي رحمه الله، قال: حدثني عبد الله بن جعفر، عن يعقوب بن يزيد، عن محمد بن أبي عمير، عن هشام بن سالم، عن سليمان بن خالد، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: مدمن الخمر يلقى الله عزّ وجل كعابد وثن، ومن شرب منه شربة لم يقبل الله عزّ وجل صلاته أربعين يوما) ( ثواب الأعمال وعقاب الأعمال صفحة 242- 243).
نظرة في سند الحديث:
هذا الحديث حسب مصطلح علم الرّجال صحيح لأن الشيخ الصدوق أبو جعفر محمد بن علي بن الحسين بن موسى ابن بابويه القمي، رضوان الله عليه، شيخ مشايخ الطائفة الإمامية الإثني عشرية، ويعترف جميع العلماء بوثاقته، وسمّوه صدوقاً، وقد ولد بدعاء الحجة عجل الله تعالى فرجه الشريف، وهو يروي هذا الحديث عن والده علي بن الحسين بن موسى بن بابويه القمي وهو أيضاً شيخ المشايخ وثقة من الثقات، وهو يرويه عن عبد الله بن جعفر بن الحسن بن مالك الحميري، وهو شيخ القميين ووجههم وثقة من ثقاتهم، وهو يرويه عن يعقوب بن زيد بن حمّاد الأنباري ، وهو ثقة صدوق، وهو عن محمد بن أبي عمير، الأزدي، وكان من أوثق الناس جليل القدر عظيم المنزلة عابداً ورعاً زاهداً أجمعوا على تصحيح ما يصح عنه وأقرّوا له بالفقه، وهو عن هشام بن سالم الجواليقي وهو ثقة، وهو عن سليمان بن خالد الأقطع وقد حكم الفقهاء بوثاقته وكان وجهاً فقيهاً قارئاً، وهو عن الإمام الصادق عليه السلام، وهو المعصوم  .
معنى الخمر لغة وشرعاً:
الخمر في اللغة الغطاء ، وكل ما يخفي شيئاً وراءه هو خمار، وفي المصطلح الشرعي هو كل مائع مسكر سواء أخذ من العنب أو الزبيب أو التمر وكل مشروب كحولي، واستعمال كلمة الخمر لكل مائع مسكر بسبب المقايسة بين المعنى اللغوي وهو الغطاء وما يؤدي إليه هذه المسكرات من تغطية على العقل وسلبه قدرة التمييز بين الحسن والقبيح .
شرب الخمر من الكبائر:
وشرب الخمر من جملة الكبائر التي نهى الله عزّ وجل عنها في كتابه المجيد وعلى لسان نبيّه الكريم صلى الله عليه وآله، قال تعالى : (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصَابُ وَالْأَزْلَامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ * إِنَّمَا يُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُوقِعَ بَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ فِي الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ وَيَصُدَّكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَعَنِ الصَّلَاةِ فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ ) ( المائدة : 90 – 91 ).
وذكره الإمام الجواد عليه السلام في جملة الكبائر التي وردت في القرآن الكريم وذلك في الحديث الذي رواه العلامة الكليني في الكافي بسند صحيح فقال: ( عدة من أصحابنا، عن أحمد بن محمد بن خالد، عن عبد العظيم بن عبد الله الحسني، قال: حدثني أبو جعفر صلوات الله عليه قال : سمعت أبي يقول: سمعت أبي موسى بن جعفر عليهم السلام يقول: دخل عمرو بن عبيد على أبي عبد الله عليه السلام فلما سلم وجلس تلا هذه الآية : (الَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبَائِرَ الْإِثْمِ وَالْفَوَاحِشَ) (النجم : 32) ثم أمسك، فقال له أبو عبد الله عليه السلام : ما أسكتك؟ قال: أحب أن أعرف الكبائر من كتاب الله عز وجل، فقال: نعم يا عمرو أكبر الكبائر الإشراك بالله، يقول الله: (إِنَّهُ مَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ وَمَأْوَاهُ النَّارُ ) ( المائدة: 72)، وبعده الإياس من روح الله، لأن الله عز وجل يقول : (إِنَّهُ لَا يَيْئَسُ مِنْ رَوْحِ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْكَافِرُونَ) (يوسف: 87)، ثم الأمن من مكر الله، لأن الله عز وجل يقول : (فَلَا يَأْمَنُ مَكْرَ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْخَاسِرُونَ) (الأعراف: 99)، ومنها عقوق الوالدين لأنّ الله سبحانه جعل العاق جبارا شقياً، وقتل النفس التي حرم الله إلاّ بالحق، لأن الله عز وجل يقول: (فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا. . . إلى آخر الآية) (النساء: 93)، وقذف المحصنة، لأن الله عز وجل يقول: (لُعِنُوا فِي الدُّنْيَا وَالْآَخِرَةِ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ) (النور: 23) ، وأكل مال اليتيم، لأنّ الله عز وجل يقول: (إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَارًا وَسَيَصْلَوْنَ سَعِيرًا ) ( النساء: 10) ، والفرار من الزحف لأن الله عز وجل يقول: (وَمَنْ يُوَلِّهِمْ يَوْمَئِذٍ دُبُرَهُ إِلَّا مُتَحَرِّفًا لِقِتَالٍ أَوْ مُتَحَيِّزًا إِلَى فِئَةٍ فَقَدْ بَاءَ بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ وَمَأْوَاهُ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ ) (الأنفال: 16)، وأكل الربا لأنّ الله عز وجل يقول: (الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبَا لَا يَقُومُونَ إِلَّا كَمَا يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطَانُ مِنَ الْمَسِّ ) ( البقرة: 275) ، والسحر، لأنّ الله عز وجل يقول:  (وَلَقَدْ عَلِمُوا لَمَنِ اشْتَرَاهُ مَا لَهُ فِي الْآَخِرَةِ مِنْ خَلَاقٍ ) (البقرة: 102)، والزنا، لأنّ الله عز وجل يقول: (وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ يَلْقَ أَثَامًا * يُضَاعَفْ لَهُ الْعَذَابُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَيَخْلُدْ فِيهِ مُهَانًا) (الفرقان: 68-69)، واليمين الغموس الفاجرة لاّن الله عز وجل يقول: (إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَأَيْمَانِهِمْ ثَمَنًا قَلِيلًا أُولَئِكَ لَا خَلَاقَ لَهُمْ فِي الْآَخِرَةِ ) (آل عمران: 77)، والغلول لأن الله عز وجل يقول: (وَمَنْ يَغْلُلْ يَأْتِ بِمَا غَلَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ ) ( آل عمران: 161)، ومنع الزكاة المفروضة، لأنّ الله عز وجل يقول: (فَتُكْوَى بِهَا جِبَاهُهُمْ وَجُنُوبُهُمْ ...) (التوبة: 35)، وشهادة الزور وكتمان الشهادة لأن الله عز وجل يقول: (وَمَنْ يَكْتُمْهَا فَإِنَّهُ آَثِمٌ قَلْبُهُ) (البقرة: 283)، وشرب الخمر لأنّ الله عز وجل نهى عنها كما نهى عن عبادة الأوثان، وترك الصلاة متعمداً أو شيئاً مما فرض الله، لأن رسول الله صلى الله عليه وآله قال: من ترك الصلاة متعمداً فقد برئ من ذمة الله وذمة رسول الله، ونقض العهد وقطيعة الرحم، لأن الله عز وجل يقول: (أُولَئِكَ لَهُمُ اللَّعْنَةُ وَلَهُمْ سُوءُ الدَّارِ) (الرّعد: 25).
قال: فخرج عمرو وله صراخ من بكائه وهو يقول: هلك من قال برأيه ونازعكم في الفضل والعلم) (الكافي2 / 268– 287)
وكانت معاقرة الخمر في الجاهلية قبل مجيء الإسلام أمراً مألوفاً ومنشراً انشاراً واسعاً جداً أشبه ما يكون بالوباء العام، فجاء الإسلام وحرّمها متخذاً اسلوباً تدريجيّاً في تحريمها، فبدأ بالتنفير منها وأنّها شراب غير طيب وذلك عندما جعلها في قبال الرّزق الطيّب الحسن وذلك في قوله تعالى: (وَمِنْ ثَمَرَاتِ النَّخِيلِ وَالْأَعْنَابِ تَتَّخِذُونَ مِنْهُ سَكَرًا وَرِزْقًا حَسَنًا إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآَيَةً لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ ) ( النحل: 67) .
ونظراً لتأصل هذه العادة لم تكن لتجدي هذه الإشارات في الإقلاع عنها من قبل الكثيرين، فأنزل الله تعالى قوله : (يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ قُلْ فِيهِمَا إِثْمٌ كَبِيرٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ وَإِثْمُهُمَا أَكْبَرُ مِنْ نَفْعِهِمَا ) ( البقرة : 219)
ففي هذه الآية الكريمة يبين الله عزّ جل أن الأضرار الناتجة عن الخمر والميسر أكبر بكثير من المنافع الموجودة فيهما، ثم نزلت آية أخرى ينهاهم فيها سبحانه وتعالى عن أن يقربوا الصلاة وهم سكارى حتى يدركوا ويعلموا ما يقولونه أمامه سبحانه وتعالى ، فقال عزّ من قائل : (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تَقْرَبُوا الصَّلَاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى حَتَّى تَعْلَمُوا مَا تَقُولُونَ ) ( النساء : 43) إلى أن جاءت المرحلة الأخيرة من هذا التدرّج في التحريم بالتحريم الصريح للخمر، فأنزل الله سبحانه : (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصَابُ وَالْأَزْلَامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ * إِنَّمَا يُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُوقِعَ بَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ فِي الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ وَيَصُدَّكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَعَنِ الصَّلَاةِ فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ ) ( المائدة 90 – 91 ) .
علة تحريم الخمر :
وحرّمت الشريعة الإسلامية الخمر لما لها من أضرار خطيرة وتأثير سلبي على الفرد والمجتمع، فهي مفتاح كل شر، ثؤثر على عقل الإنسان فتسلبه إيّاه وعندها لا يرتدع عن فهل أيّ جريمة مهما كان عظمها ونوعها كالقتل والزّنا حتى بالمحارم، والاعتداء على الآخرين بالضرب والسّب وغيره وترك الفراءض وغيرها من الأضرار الكثيرة .
فعن المفضل قال: قلت لأبي عبد الله عليه السلام : لم حرّم الله الخمر؟
قال: حرّم الله الخمر لفعلها وفسادها لأنّ مدمن الخمر تورثه الارتعاش وتذهب بنوره وتهدم مروّته وتحمله على ارتكاب المحارم وسفك الدّماء وركوب الزّنا ولا يؤمن إذا سكر أن يثبت على حرمه ولا يعقل ذلك ولا يزيد شاربها إلاّ كلّ شر  ( بحار الأنوار79 / 133) .
وروي أنّ زنديقاً قال للإمام الصادق عليه السلام :
فلم حرّم الله الخمر ولا لذّة أفضل منها ؟
قال: حرّمها لأنّها أم الخبائث ورأس كل شر، يأتي على شاربها ساعة يسلب لبّه فلا يعرف ربّه ولا يترك معصية إلاّ ركبها ولا حرمة إلاّ انتهكها، ولا رحماً ماسة إلاّ قطعها، ولا فاحشة إلاّ أتاها، والسكران زمامه بيد الشيطان إنْ أمره أن يسجد للأوثان سجد، وينقاد حيثما قاده ) ( وسائل الشيعة 17 / 282) .
فالآثار والأضرار الخطيرة للخمر أشهر من أن تحتاج إلى برهان ودليل، فهي واضحة للعيان، يقول صاحب كتاب الخمر ومضارّها على الجسم والعقل :
( لا تسأل عن الأضرار التي يلحقها الخمر والإدمان بالشعوب التي يتفشّى فيها هذا الدّاء، وخذ مثالاً على تلك الدول المتحضّرة فرنسا، والتي تراقب جماعة الخمور وانتاجها الأوّل حيث تنتج 30% من الإنتاج العالمي، ولكنّها تدفع ذلك غالباً من أمّتها وصحة وسلامة أبنائها، فأغلب الجرائم وأكثرها وحشيّة بسبب السكر، و30% من الأسرى في المستشفيات الفرنسيّة يشغلها المدمنون على الشراب، وفي جرائم الاغتصاب يشكل نسبة المخمورين المقدمين على ذلك 50%، وفي حوادث القتل يشكل السكارى حوالي 24% إلى 72% ) ( الخمر ومضارها على الجسم والعقل صفحة 282) .
ويقول الأستاذ عزّة الحسنين في كتابه الخمر والمخدّرات بين الشريعة والقانون :
( إنّ الإدمان على الكحول يساعد على كثرة الحوادث، وقد صدرت تقارير عدّة دول تشير إلى أنّ نصف الجرائم عندها مسببة بطريقة أو بأخرى بتعاطي الكحول، وعلاقة الكحول بالعنف والجرائم حسب الإحصائيات الموجودة حتى الآن يتراوح بين 13% إلى 72% ...
وفي بولندا أدلت الدراسات إلى أنّ 37% من الجرائم عام 1966م كانت بسبب تأثير الكحول، وفي استراليا كان 50% من حوادث القتل والاغتصاب بسبب الكحول) ( الخمر والمخدّرات بين الشريعة والقانون صفحة 179) .
وجاء في إحصائية وضعها عالم يدعى (هوﮔر) نشرتها مجلّة العلوم أنّ 60% من القتل المتعمّد و 75% من الضرب والجرح و 30% من الجرائم الأخلاقية – بما فيها الزنا بالمحارم – و 20% من جرائم السرقة سببها المشروبات الكحولية .
وورد في مجلة العلوم الجنائية صفحة 837 : أنّ 60% من الأطفال والشباب الذين تقل أعمارهم عن 18 عاماً الذين أرسلوا إلى محكمة مدينة نانت (الفرنسية)عام 1940م أنّهم شربوا شيئاً من الخمرة قبل ارتكاب الجريمة.
وحسب الإحصائيات التي نشرها معهد الطب القانونية في مدينة نيون (السويسرية) عام 1961م كانت الجرائم الإجتماعية للمدمنين على النحو التالي :
القتلة : 50% .
المعتدون بالضرب والجرح : 8ر77% .
السرقات: 5ر88% .
الجرائم الجنسية المرتبطة بالمدمنين: 8ر 88% .
فهذه الإحصائيات تشير إلى أنّ الأكثرية الساحقة من الجرائم ترتكب في حالة السكر.
الأضرار الصحية للخمر:
ولتعاطي المشروبات الكحولية أضرار خطيرة جداً على صحّة الإنسان، فهي تؤثر على جميع أجهزة الجسم وأعضائه وتصيبها بأمراض مختلفة .
أثر الكحول على القوّة العاقلة :
إنّ مشروبات الكحول هي أول عامل من عوامل الجنون، وإنّ الإحصائيات الدقيقة لمستشفيات المجانين في الدول المنتشر فيها تعاطي الكحول بشكل كبير تشير إلى أنّ أغلب المجانين هم ممن قضوا عمراً طويلاً في الشراب .
يقول الدكتور (بلوزل) :
( الإدمان يجر إلى الجنون ويمكن القول أنّ الكحول عامل مباشر في جنون البالغين بنسبة تتراوح عند الـ 17% )
( وتقول إحصائية سويسرية أنّ 5ر12% من الرّجال الراقدين في مستشفى المجانين خلال خمسة أعوام بين 1926 – 1930 كانوا يعانون من أمراض نفسيّة ناجمة عن الكحول ، و 6ر7% أمراض نفسيّة أخرى بضمنها الكحول، أي أنّ 1ر20% من مجموع المرضى النفسيين قد دخلوا مستشفى المجانين بسبب المشروبات الكحوليّة ) ( الشباب بين العقل والعاطفة 2 / 440) .
وإنّ تأثير الكحول السيء على العقل والجسم وما يلحقه به من أضرار لا يحصل فقط بالإفراط في تناولها كما يتصوّر البعض، بل إنّ تناول القليل منها له تأثير سيء وخطير أيضاً وبالخصوص على خلايا المخ.
فقبل مدّة اجتمع الأطباء المتخصصون من أرجاء العالم في واشنطن للاشتراك في المؤتمر العالمي لمكافحة الكحول والإدمان عليها ، فقال الدكتور (كنزلي) - الذي أمضى سنوات طويلة في الدراسة والتحقيق حول الإدمان - في الجلسة الأولى لهذا المؤتمر:
( إنّ استخدام الكحول ولو بمقدار قليل يسبب تلفات مخيّة كثيرة، فحينما يشعر الإنسان باللذّة والسرور من تناول كميّة قليلة من الكحول لا يعلم أنّه ساعد على إفناء خلايا مخّه .
يتصوّر الناس أنّ تناول كميّة قليلة من الكحول لا يشكّل خطراً بل إنّه ضروري أيضاً، فالبعض يعتقد أنّ ارتشاف شيء منه في المجلس لا يؤدي إلى الإدمان أو أنّ الكحول لا يسبب لهم تلفات مخيّة بينما تدل البحوث الواسعة التي أجريت في هذا المجال أنّ المشروبات الكحوليّة تسبب اختلالاً في وظيفة الخلايا المخيّة حتى وإن كانت بمعدّل قليل جداً ) ( الشباب بين العقل والعاطفة 2/ 442) .
ويقول الدكتور (بنينغتون) الذي قدّم تقريراً في نفس المؤتمر :
( لا ريب أنّ الكحول من أخطر أعداء الإنسان ويتعرّض لخطر هذا العدو أيضاً أولئك الذين يشربون قليلاً من الخمر بين الفينة والأخرى ) ( الشباب بين العقل والعاطفة2 /442) .
وورد في كتاب (Alcoholism) :
( إنّ التخريب الحاصل في أنسجة الجسم نتيجة شرب الخمر مرّة واحدة يمكن أن يكون تخريباً دائماً غير قابل للتراجع ) ( أطباء الغرب يحذّرون من شرب الخمر صفحة 29) .
إذاً فلا غرابة حينئذٍ أن نجد الإسلام وقد حرّم من تناول المسكر مهما كان قليلاً، فعن كليب الأسدي قال :
( سألت أبا عبد الله عليه السلام عن النبيذ فقال : إنّ رسول الله صلى الله عليه وآله خطب الناس فقال : أيّها الناس ألا إنّ كل مسكر حرام، ما أسكر كثيره فقليله حرام ) ( وسائل الشيعة17 / 268) .
وعن الإمام الصادق عليه السلام قال: ( قال رسول الله صلى الله عليه وآله : كلّ مسكر حرام، وما أسكر كثيره فقليله حرام ) ( وسائل الشيعة17 /271) .
وعن عائشة قالت : (قال رسول الله صلى الله عليه وآله: ما أسكر كثيره فالجرعة منه حرام ) ( وسائل الشيعة17 /271) .
أثر الكحول على الجهاز الهضمي :
يبدأ الجهاز الهضمي بالفم والبلعوم والمريء والمعدة فالإثني عشر فالأمعاء الدقيقة فالغليظة ثمّ المستقيم فالشرج، ويلحق بهذا الجهاز مجموعة من الغدد اللّعابيّة الموجودة تحت الفك العلوي والسفلي وتحت اللسان كما يلحق به كل من غدتي البنكرياس والكبد .
وتتعرّض أكثر أجزاء هذا الجهاز إن لم نقل كلّها لتأثير الخمر السيء فتصاب بالكثير من الأمراض والعلل والآفات.
فالفم يصاب بالتهابات عديدة ومتكررة، ويكون فم مدمن الخمر مبخراً ونفسه كريهاً وذلك ناتج عن روائح الخمر والتبغ من جهة والالتهابات المتكررة في الفم والإلتهابات الرئوية التي عادة ما يصاب بها المدمنون من جهة أخرى .
(كما يصاب بعض المدمنين ببقع بيضاء في ألسنتهم (Leukoplakia) وهذه تكون عادة مقدّمة لسرطان اللسان ) ( الخمر بين الطب والفقه صفحة 186) .
ويصاب بلعوم مدمن الخمر بالتهاب حاد منتن تسببه ميكروبات تكون موجودة بالفم وهي لا تسبب أيّ مرض لدى الإنسان العادي ولكنّها عند مدمن الخمر تستغل ضعف مقاومته للأوبئة والميكروبات فتهجم عليه وتؤدي به إلى هذا الإلتهاب الخطير .
ويقول أهم مرجع طبي بريطاني (مرجع برايس الطبير ) طبعة 1968م :
( إنّ الميكروبات تستغل فرصة نقص المقاومة لدى مدمن الكحول فتهاجمه هجوماً عنيفاً يؤدي إلى هذا الإلتهاب الخطير وترتفع درجة حرارة المريض إلى أربعين سنتيجراد، كما يجد المريض صعوبة في البلع والتنفس حتى ليشعر بالاختناق وتكثر الالتهابات الرئوية كما يصاب القلب فجأة بالهبوط نتيجة تسمم عضلة القلب وكثيراً ما تكون الوفاة خلال أربع وعشرين ساعة منذ بدء الأعراض ) ( الخمر بين الطب والفقه صفحة 188) .
ويتعرّض المريء لإلتهابات مزمنة نتيجة لتعاطي الخمور والأنبذة القويّة ويكون هذا الإلتهاب سبب رئيسي إلى الإصابة بسرطان المريء، كما يصاب بنزف ناتج عن تمزّقات طويلة بجدار المريء وسببها القي العنيف المتكرر الذي يصاب به عادة مدمنوا الخمور ويؤدي تعاطي الكحول المستمر أيضاً إلى إصابة المريء بقرحة مزمنة عادة ما تشفى بسرعة بمجرّد ترك الكحول كما تصاب المعدة بالتهابات حادة مزمنة أيضاً نتيجة تعاطي الخمور ويعتبر الكحول أحد أسباب الإصابة بقرحة المعدة والإثني عشر، وقد تؤدي هذه الالتهابات المزمنة والقرحة المزمنة إلى إصابة الإنسان بسرطان المعدة .
يقول في كتاب الخمر بين الطب والفقه صفحة 200 عن سرطان المعدة:
( إنّ هذا الالتهاب الخبيث هو أكثر انتشاراً في اليابان وأوربا وقد وجد أنّ قرحة المعدة المزمنة تؤدي في إزمانها في بعض الحالات إلى التّحوّل السرطاني، كما أنّ التهاب المعدة الضموري المزمن قد يؤدي كذلك إلى ظهور هذا المرض الخبيث، وقد رأينا أنّ أهم أسباب التهاب المعدة الضموري هو تناول الكحول بصورة مزمنة ) .
وكذلك الأمعاء الدقيقة والغليظة فهي تصاب بالالتهابات لأن الخمر تسبب تهيجاً في الأغشية المخاطيّة للجهاز الهضمي ابتداءً من الفم وانتهاءً بالأمعاء الدقيقة والغليظة ، ويؤدي ذلك إلى احتقان الأمعاء وتقرّحها .
وأمّا عن تأثير الخمر على غدّتي البنكرياس والكبد فله تأثير كبير جداً فهو يصيب البنكرياس بالتهابات عديدة مزمنة والتهاب حاد آخر دموي وهذا المرض خطير جداً يؤدي إلى نخر وموت خلايا البنكرياس مع نزف دموي شديد فيه .
وحول تأثير الخمر على الكبد لنسمع ما تقوله الدكتورة (شرلوك) أشهر أخصائية في أمراض الكبد في العالم في كتابها ( أمراض الكبد ) :
( لا يوجد أيُّ شك في أنّ تليّف الكبد يصيب مدمني الخمور أكثر من غيرهم ففي مقابل كل شخص يصاب بتليّف الكبد من غير المدمنين نجد 8 أو 6 أشخاص من المدمنين مصابين بالتليّف الكبدي ) ( الخمر بين الطب والفقه صفحة 412) .
ويقول الدكتور (برانت) من جامعة كامبردج في مقال نشر في مجلة (Medicine) :
( لقد دلّت الدّراسات التي أجريت على طلاب كلّية الطب أنّ تناول 180 غرام من الكحول يوميّاً كاف لكي يسبب تشحّم الكبد عند معظم هؤلاء الطلاب ) ( أطباء الغرب يحذّرون من شرب الخمور صفحة 40) .
وإذا ما استمر شارب الخمر في تعاطيه للمشروبات الكحوليّة ولم يرتدع عن ذلك فغالباً ما ينتهي الأمر بتشمّع الكبد وهو مرض لا شفاء منه وكثيراً ما يؤدي إلى الوفاة .
( ويقدر الباحثون أنّ 20% من المفرطين في شرب المسكرات يصابون بتمشمّع الكبد ) ( أطباء الغرب يحذّرون من شرب الخمور صفحة 40 ) .
تأثير الخمر على جهاز الدورة الدّموية :
ويكون تأثير الخمر على جهاز الدورة الدموية كبيراً، فهو يؤدي إلى اعتلال عضلة القلب واضطراب دقّاته وإلى ارتفاع ضغط الدم، وهو – أي ارتفاع ضغط الدم – السبب الرئيسي من أسباب السكتة الدماغية، وكذلك سبب من أسباب جلطة القلب.
يقول في كتاب (Alcoholsim) :
( إنّ أشهر تأثيرات الخمر على القلب هو اعتلال العضلة القلبيّة الكحولي، وارتفاع ضغط الدم وزيادة حدوث الخفقان.
وفيه تتوسع حجرات القلب وتترهل عضلته ويحدث فشل (قصور) القلب ويشكو المريض من ضيق في التنفس لدى قيامه بأقل مجهود، وقد لا يستطيع القيام حتى بخدمة نفسه في البيت.
وإذا استمر المريض في شربه للمسكرات فإنّ هذا المرض سوف يؤدي بلا شك إلى الموت المبكر ) ( أطباء الغرب يحذّرون من شرب الخمر صفحة 31) .
( إن سهرة يفرط فيها شارب الخمر في تناوله للمسكرات قد تؤدي إلى حدوث اضطراب في نظم القلب كما يمكن أن تسبب الموت المفاجىء ) ( نفس المصدر السابق صفحة 33) .
( قد يحدث إضطراب شديد في ضربات القلب عقب شرب الخمرة مرة واحدة فقط ) ( نفس المصدر صفحة 33 عن كتاب هارسيون الطبي ) .
كما يؤثر الكحول على شرايين القلب التاجيّة فيؤدي إلى ضيقها وعندها يشكو المريض من ألم في منتصف الصدر لدى قيامه بأبسط جهد، وهذا ما يسمّى بالذبحة الصدرية .
يقول في كتاب أطباء الغرب يحذّرون من شرب الخمر صفحة 34 :
( وقد أثبتت الدراسات العلميّة أنّ شرب الخمر يحرّض حدوث نوبة من نوبات الذبحة الصدرية المختلفة حيث يؤدي شرب الخمر إلى تشنّج في الشرايين التاجيّة ).
( كما أنّ دراسة أكثر من ألف شخص ثبت أنّ نصف حالات الموت المفاجئ حدثت عند شاربي الخمور ).
أثر الخمر على جهاز التنفس:
ومن أهم أضرار الخمر على الجهاز التنفسي أنّها تؤدي إلى الإصابة بمرض السل، فالكحول يدخل إلى الرئة مع الدّم ويحرّك المواد المخاطية فيها فيسبب تورّمها كما يسبب أيضاً إزالة الكالسيوم من البدن واخلال عمل الرئة مما يؤدي إلى الإصابة بمرض السل.
أثر الكحول على الأعضاء التناسليّة :
يحدث الكحول أضراراً على أعضاء الإنسان التناسليّة، فقد أثبتت التجارب أنّه يؤدي إلى ضمور في الخصية، ونقصان حجمها واسترخاء في عضلات كيس الصّفن وعضو التناسل، وأنّ الإدمان عليها يجعل الحيوانات المنوية نادرة جداً .
يقول البروسوفور (شوكت) وهو من كبار الباحثين في العالم في شؤون الخمر:
(قد يلاحظ بعض شاربي الخمور ازدياد في الشعور الجنسي لدى تناول كأس أو كأسين من المسكرات، ولكن ينسى هؤلاء أنّ ذلك يسبب العنانة عند الرجال [ضعف القدرة على الانتصاب] ) .
ويقول أيضاً : ( وينسى هؤلاء أيضاً أنّ شرب المسكرات قد يؤدي إلى ضمور الخصيتين وفقدان النّطاف ) ( أطباء الغرب يحذّرون من شرب الخمور صفحة 35) .
وأوضح العالم (فوربيل) في المؤتمر الدولي الثالث عشر المنعقد في لاهاي عام 1961 :
( إنّ بعض حيوانات التجارب التي حقنت بمواد كحوليّة في الوريد أو تحت الجلد أصيبت بضمور في خصيتها، كما أنّ هناك عشرة من الثلاثين حيواناً التي أجريت عليها التجارب فقدت الخصى فيها كل حيواناتها المنويّة ) ( لماذا حرّم الله هذه الأشياء صفحة 46) .
أثر الكحول على النّسل:
ولا ينحصر ضرر الخمر الصحي على صحة شاربها بل يتعداه إلى نسله، فإنّ أطفال مدمني الخمور عادة ما يولدون وهم مصابون بتشوّهات خلقيّة في بعض أعضائهم وإذا ما ولدوا سالمين فإنّ صحتهم تكون عرضة للإصابة بأمراض مختلفة (كالنزلات المعوية والالتهابات الرئوية والتشنجات العصبية) التي غالباً ما تؤدي إلى مرت هؤلاء الأطفال وهم في سن الرضاعة، وإذا ما بقوا وأطال الله في أعمارهم فإنّه من النادر جداً أن لا يتعرّضوا لفتك الأمراض المختلفة وخصوصاً الأمراض العصبيّة كالصرع والهستيريا والجنون .
( حيث تقول الإحصائيات حسب تحقيقات الأطباء يوجد في فرنسا مائتا ألف طفل مجنون بسبب المشروبات الكحوليّة وأنّ 80% من المجانين و 40% من مرضى المعاشرة هم ضحيّة استعمال الكحول، وفي بريطانيا 90% تقريباً من الأطفال المجانين بسبب المواد الكحوليّة التي خالطت نطف الآباء ) ( الخمر حرمتها وتأثيرها على الإنسان صفحة 82) .
ويقول صاحب كتاب أطباء الغرب يحذّرون من شرب الخمر صفحة 19 :
( من الثابت علميّاً أن شرب الخمور أثناء الحمل يؤدي إلى نرض يسمى [ تنادر الجنين الكحولي].
ويصاب الجنين في هذا المرض بآفات خلقيّة في القلب وتشوّهات في الوجه، واضطراباً في المفاصل وتخلّفاً عقليّاً شديداً.
ولا تعرف كميّة المسكرات ولا الوقت الذي تكون فيه الحامل عرضة لإصابة جنينها بهذا المرض).
ويقول الدكتور الأمريكي (نالين) :
( يمكن أن يتولد من الرجل السالم أحد عشر طفلاً في حين لا يتولد من المعتاد على الكحول واحد من ثلاثة أطفال سالمين، وحتى الأطفال هم أيضاً في معرض الأمراض المختلفة من قبيل السكتة، الصرع، العصبيّة، الجنون، عدم رشد قواهم العقليّة، ونقص في الدم وغيرها ) ( الذنوب الكبيرة1 / 238) .
ويقول الدكتور الكسيس كاريل:
( إنّ سكر الزوج والزّوجة حين الاتصال الجنسي بينهما يعتبر جريمة عظيمة، لأمّ الأطفال الذين ينشئون في ظروف كهذه يشكون في الغالب من عوارض عصبيّة ونفسيّة غير قابلة للعلاج ) ( الطفل بين الوراثة والتربية1 /78) .
ونظراً لهذه الأضرار الخطيرة التي تخلّفها الخمر والمسكرات على النسل فإنّ الشريعة الإسلامية أعطت توجيهاتها لأولياء الأمور بعدم تزويج بناتهم من شاربي الخمور وذلك حفاظاً على النسل من هذه الأضرار حيث أنّه لا يمكن لمثل هذا النسل المصاب بأمراض مختلفة أو الذي هو في معرض الإصابة بها أن يثمر إيجابيّاً في الحياة، ولا يمكن لدولة أو أمّة الاعتمال عليه في شؤونها المختلفة بل هو كلٌّ وعالة عليها .
فعن أبي عبد الله عليه السلام قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله : ( شارب الخمر لا يزوّج إذا خطب) ( الكافي 5 /352) .
وعنه أيضاً عن رسول الله صلى الله عليه وآله قال : ( من شرب الخمر بعدما حرّمها الله على لساني فليس بأهل أن يزّوج إذا خطب ) ( الكافي5 / 352 ) .
وقال رسول الله صلى الله عليه وآله : ( شار بالخمر لا يعاد إذا مرض، ولا يشهد له جنازة، ولا تزكوه إذا شهد، ولا تزوّجوه إذا خطب، ولا تأتمنوه على أمانة ) ( وسائل الشيعة17 / 248) .
وقال أبو عبد الله عليه السلام : ( من زوّج كريمته من شارب خمر فقد قطع رحمها) ( الكافي5 /351) .
( وبديهي أن يعتبر إنجاب أطفال مختلين بدنيّاً وعصبيّاً وروحيّاً قطعاً لرحم المرأة التي بإمكانها أن تنجب أولاداً سالمين من غيره ) ( الطفل بين الوراثة والتربية1/ 77).
أثر المسكرات على الأسرة :
إنّ من أهم أسباب انهيار الأسرة وتفككها وعدم استمرار العقلة الزوجيّة بين الرجل والمرأة هو تعوّد رب الأسرة على شربه للمسكر لأنّه من غير الممكن لأمرأة أن تعيش مع رجل سكير لا يهتم بشؤونها شؤون أولادها غير ملتزم بما عليه من حقوق وواجبات تجاههم، هذا فضلاً عن ما قد يصدر منه من اعتداء – كما يحصل عادة – عليها وعلى أولادها بالضرب والشتم الأمر الذي يجعل هذه المرأة ترفع أمرها إلى الحاكم الشرعي مطالبة بالطلاق والانفصال عن هذا الزوج الّذي حوّل حياتها وحياة أبنائها إلى شقاء وجحيم لا يطاق .
كذلك لا يمكن للأبناء أن يتربوا تربية صحيحة في ظلِّ أبٍ سكّير غير مراع للآداب الإسلامية والأعراف الإجتماعية منحلاً من جميع القيم والمثل والأخلاقيات الحسنة، فهو من جهة لا يقوم بواجب التربية ومن جهة أخرى هو قدوة سيئة لهم، وإذا ما فقد الأولاد التربية والقدوة الصالحة في حياتهم فبلاشك سيكون الانحراف نصيبهم، والواقع شاهد على ذلك، إذ عادة ما يكون أبناء شاربي الخمور مثل آبائهم منحرفين غير مستقيمين لديهم نزعة إجرامية ونزوعاً إلى الذنب والمعصية.
والأمر أدهى وأمر إذا كانت الزوجة هي المدمنة على شرب المسكر إذ الداعي إلى انهيار الأسرة وتفككها يكون أكبر، فعادة ما تتهم المرأة السكيرة بالخيانة والزنا.
يقول الدكتور (فرانل س كايربو) :
( إنّ الإدمان على تناول المسكر مما يوجب انهيار الأسرة، فالمرأة السكيرة كثيراً ما تتهم بالزنا وكذلك الرجل) ( نظام الأسرة في الإسلام صفحة 120 ) .
ويقول صاحب كتاب الخمر وحرمتها وتأثيرها على الإنسان صفحة 90:
( ولذا نلاحظ أنّ الكحول تؤثر بشكل مباشر على الأسرة أيضاً فلقد بيّنت دراسات نفسيّة أجريت على أسر المدمنين أشارت إلى أنّ معظم هذه الأسر تعيش حالات مضطربة نتيجة تعاطي الآباء والأمّهات للخمور، بل ساعدت في تفكيك النظام الأسري عبر الطلاق والهجر والوفاة أحياناً، ولقد تبيّن في دراسات أخرى أنّ 97% من الشباب المدمن ينتمي إلى أسر مضطربة وتتعاطى الإدمان على الكحول ) .
الآثار الأخروية لشرب الخمر :
وللخمر في عالم ما بعد الدنيا أضرار كثيرة وخطيرة، أدع هنا روايات أهل البيت عليهم السلام تتحدث عن جملة من هذه الآثار :
فعن أبي عبد الله عليه السلام قال: ( إن أهل الري في الدنيا من المسكرات يموتون عطاشاً ويحشرون عطاشاً ويدخلون النار عطاشاً ) ( الكافي4 /412 )  
وقال رسول الله صلى الله عليه وآله : ( يجيء مدمن الخمر يوم القيامة مزرقّة عيناه، مسودّاً وجهه، مائلاً شفتيه، يسيل لعابه، مشدودة ناصيته إلى إبهام قدميه، خارجة يده من صلبه، فيفزع منه أهل الجمع إذا رأوه مقبلاً للحساب ) ( ثواب الأعمال وعقابها صفحة 935) .
وقال رسول الله صلى الله عليه وآله : ( من شرب الخمر في الدّنيا سقاه الله من سم الأفاعي ومن سم العقارب شربة يتساقط لحم وجهه في الإناء قبل أن يشربها يفسخ لحمه وجلده كالجيفة يتأذى به أهل الجمع حتى يؤمر به إلى النار، وبايعها ومبتاعها وحاملها والمحمول إليه وآكل ثمنها سواء، ألا ومن باعها أو اشتراها لغيره لم يقبل الله تعالى منه صلاة وصياماً ولا حجاً ولا اعتمار حتى يتوب منها، وإن مات قبل أن يتوب كان حقّاً على الله تعالى أن يسقيه بكل جرعة شراب منها في الدنيا شربة من صديد جهنم ) ( ثواب الأعمال وعقابها صفحة 540) .
وقال صلى الله عليه وآله : ( والذي بعثني بالحق أن شارب الخمر يموت عطشان، وهو في القبر عطشان، ويبعث يوم القيامة وهو عطشان وينادي واعطشاه ألف سنة، فيؤتى بماء كالمهل يشوي الوجوه بئس الشراب فينضج وجهه ويتناثر أسنانه وعيناه في ذلك الإناء فليس له بد من أن يشرب فيصهر ما في بطنه ) ( ثواب الأعمال وعقابها صفحة 540).
وعن عمرو بن أبان قال: قال أبو عبد الله عليه السلام: ( من شرب مسكراً كان حقّاً على الله عزّ وجل أن يسقيه من طينة خبال، قلت: وما طينة خبال؟ فقال: صديد فروج البغايا) ( الكافي4 /411).
وقال رسول الله صلى الله عليه وآله : ( لا ينال شفاعتي من استخفّ بصلاته ولا يرد عليّ الحوض لا والله لا ينال شفاعتي من شرب المسكر ولا يرد عليّ الحوض لا والله ) ( الكافي4 /412).
وعن أبي الحسن عليه السلام قال: ( إنّه لما احتضر أبي عليه السلام قال لي : يا بني إنّه لا ينال شفاعتنا من استخف بالصلاة، ولا يرد علينا الحوض من أدمن هذه الأشربة، فقلت: يا أبه وأي الأشربة؟ فقال : كل مسكر ) ( الكافي4/ 414).
وعن أبي عبد الله عليه السلام قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله : (مدمن الخمر يلقى الله عزّ وجل كعابد وثن) ( الكافي4/ 416).
وقال رسول الله صلى الله عليه وآله : ( لا يلج حظيرة القدس مدمن خمر، ولا عاق والديه ولا منان) ( ثواب الأعمال وعقابها صفحة 615).
وقال صلى الله عليه وآله: ( شارب الخمر يعذّبه الله بستين وثلاثمائة نوع من العذاب) ( الحكم الزاهرة صفحة 300).
وقال رسول الله صلى الله عليه وآله: ( أقسم ربّي جلّ جلاله فقال: لا يشرب عبدٌ لي خمراً في الدنيا إلاّ سقيته يوم القيامة مثل ما شرب منها من الحميم، معذباً بعد أو مغفوراً له ) ( ثواب الأعمال وعقابها صفحة 540).
وقال صلى الله عليه وآله : ( والذي بعثني بالحق من كان في قلبه آية من القرآن ثم صبّ عليه الخمر يأتي كل حرف يوم القيامة فيخاصمه بين يدي الله عزّ وجل، ومن كان له القرآن خصماً كان الله له خصماً، ومن كان الله له خصماً كان هو في النار) ( جامع الأخبار صفحة 422).
وعن أنس بن مالك قال : قال رسول الله صلى الله عليه وآله : ( إنّ في جهنم لوادياً يستغيث منه أهل النّار كلّ يوم سبعين مرة، وفي ذلك الوادي بيت من نار، وفي ذلك البيت جب من نار، وفي ذلك الجب تابوت من نار، وفي ذلك التابوت حيّة لها ألف رأس وفي كل رأس ألف فم، وفي كل فم عشرة آلاف ناب وكل ناب ألف ذراع.
قال أنس: قلت يا رسول الله، لمن يكون هذا العذاب؟ قال: لشارب الخمر من حملة القرآن) ( جامع الأخبار صفحة 422).
وقال صلى الله عليه وآله: ( من مات سكراناً عاين ملك الموت سكراناً، ودخل القبر سكراناً، ويوقف بين يدي الله سكراناً، فيقول الله عزّ وجل له : مالك؟ فيقول: أنا سكران، فيقول الله: بهذا أمرتك؟ اذهبوا به إلى سكران، فيذهب به إلى جبل في وسط جهنم فيه عين تجري مِدّة ودما لا يكون طعامه وشرابه إلاّ منه ) ( جامع الأخبار صفحة 424).
وعنه صلى الله عليه وآله: ( العبد إذا شرب شربة من الخمر ابتلاه الله بخمسة أشياء:
الأول: قسا قلبه.
والثاني: تبرأ منه جبرائيل وميكائيل واسرافيل وجميع الملائكة.
والثالث: تبرأ منه جميع الأنبياء والأئمة.
والرابع: تبرأ منه الجبار جلّ جلاله.
والخامس: قوله عزّ وجل: (وَأَمَّا الَّذِينَ فَسَقُوا فَمَأْوَاهُمُ النَّارُ كُلَّمَا أَرَادُوا أَنْ يَخْرُجُوا مِنْهَا أُعِيدُوا فِيهَا وَقِيلَ لَهُمْ ذُوقُوا عَذَابَ النَّارِ الَّذِي كُنْتُمْ بِهِ تُكَذِّبُونَ) (جامع الأخبار صفحة 425).
من هو مدمن الخمر؟
والمدمن في نظر الرّوايات هو الشخص الذي متى ما توفر له المسكر شربه، فهو هنا أشمل وأعم من التعريف الطبي له:
يقول أمير المؤمنين علي بن أبي طالب عليه السلام: ( مدمن الخمر يلقى الله عزّ وجل حين يلقاه كعابد وثن، فقال حجر بن عدي: يا أمير المؤمنين ما المدمن؟ قال: الذي إذا وجدها شربها) ( ميزان الحكمة3/ 163).
كل مسكر خمر:
ومهما اختلفت أسماء الخمر وتعددت أنواعها فهي حرام، فكل ما فعل فعل الخمر فهو حرام لا يجوز تعاطيه، يقول الإمام الكاظم عليه السلام: ( إنّ الله عزّ وجل لم يحرّم الخمر لاسمها ولكن حرّمها لعاقبتها فما كان عاقبته عاقبة الخمر فهو خمر ) ( ميزان الحكمة3/ 166).
وعن كليب الصيداوي قال : ( سمعت أبا عبد الله عليه السلام يقول : خطب رسول الله صلى الله عليه وآله فقال في خطبته : كل مسكر حرام ) ( الكافي6/ 420 ).
وعن الفضيل بن يسار قال: ( ابتدأني أبو عبد الله عليه السلام يوماً من غير أن أسأله فقال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله : كل مسكر حرام، قال: قلت : أصلحك الله كلّه حرام؟ فقال: نعم الجرعة منه حرام ) ( الكافي6/ 421 ).
الملعونون في الخمر:
وعن أبي جعفر عليه السلام قال: (لعن رسول الله صلى الله عليه وآله في الخمر عشرة؛ غارسها وحارسها وعاصرها وشاربها وساقيها وحاملها والمحمولة إليه وبايعها ومشتريها وآكل ثمنها ) ( الحكم الزاهرة صفحة 299).
يحرم الجلوس على مائدة يشرب عليها خمر:
ومن جملة الأحكام الفقهيّة الخاصة بمسألة شرب الخمر هو أنّه يحرم الجلوس وتناول الطعام على مائدة يشرب عليها الآخرون خمراً، وإنْ امتنع الشخص نفسه عن شربها، فعن النبي صلى الله عليه وآله قال: (ملعون ملعون من جلس طائعاً على مائدة يشرب عليها الخمر) ( ميزان الحكمة3 /162).
وعن أبي عبد الله عليه السلام قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله : ( من كان يؤمن بالله واليوم فلا يأكل على مائدة يشرب عليها الخمر) ( الحكم الزاهرة صفحة 301) .
 
شارك بتعليقك حول هذا الموضوع
الاسم
التعليق
من
أحرف التأكيد Security Image
 
جميع التعليقات خاضعة للمراقبة ، تجنباً للمشاركات الهدامة !