من حقوق اليتيم في الإسلام               دواء الذنوب - الحلقة الثالثة                دواء الذنوب - الحلقة الثانية               (الحديث الثامن) النميمة               دواء الذنوب - الحلقة الأولى               التوبــــة               (الحديث السابع) الزنا               (الحديث السادس) الكذب .. حرمته .. أثاره .. أنواعه               (الحديث الخامس) الغيبة               ظواهر سلبية               
شبهات وردود
 
 
رد أباطيل عثمان الخميس حول مسألة عدالة الصحابة
شبكة الحقيقة - 2010/01/04 - [عدد القراء : 444]
 
رد أباطيل عثمان الخميس
حول مسـألة عـدالة الصـحابة
 
قال عثمان الخميس: (عدالة الصحابة أمر متقرر عند أهل السنة والجماعة، وسيأتي ذكر أقوال أهل العلم من أهل السنة والجماعة في عدالة أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم قال الله تبارك وتعالى: [ لَقَدْ رَضِيَ اللهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ فَعَلِمَ مَا فِي قُلُوبِهِمْ فَأَنْزَلَ السَّكِينَةَ عَلَيْهِمْ وَأَثَابَهُمْ فَتْحًا قَرِيبًا] (1)، بين الله تبارك وتعالى أنّه قد رضي عمن؟ عن المؤمنين الذين بايعوا النبي صلى الله عليه وسلم تحت الشجرة، وماذا قال الله تبارك وتعالى؟ قال: [فَعَلِمَ مَا فِي قُلُوبِهِمْ]، أي الإيمان والصدق، فأنزل السكينة عليهم، أي في ذلك الوقت، فهذه شهادة من الله تبارك وتعالى عن صدق إيمان أولئك القوم الذين بايعوا النبي صلى الله عليه وسلم تحت الشجرة بيعة الرضوان.
وقد ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم أنّه قال: لا يدخل النار أحدٌ بايع تحت الشجرة إلاّ صاحب الجمل الأحمر.
وكان هذا من المنافقين الذين خرجوا مع النبي صلى الله عليه وسلم واسمه الجد بن قيس، وكان عدد الذين بايعوا النبي صلى الله عليه وسلم تحت الشجرة ألفاً وأربعمائة، وقيل ألف وخمسمائة شهد الله لهم بالإيمان، وأثبت أن قلوبهم توافق ظاهرهم، وأنّه ليس فيهم منافق إلاّ رجلاً واحداً أخبر عنه النبي صلى الله عليه وسلم كان معهم ولكن لم يبايع النبي صلى الله عليه وسلم) (2).
 
أقول :
أولاً : هذه الآية لا تدل على عدالة جميع الصحابة، وذلك لأنّ أهل بيعة الرضوان كان عددهم حسب أعلى رقم ذكره المؤرخون (1800) صحابي(3)، وعدد الصحابة المدّعى عدالتهم 124 ألف صحابي، فالاستشهاد بهذه الآية على عدالة جميع هؤلاء باطل وغير صحيح.
 
ثانياً: إنّ استمرارية رضا الله عزّ وجل عن المؤمنين من أهل بيعة الرضوان مشروط بعدم نكث هذه البيعة، بالثبات على قتال العدو وعدم الفرار، وهذا ما أكده قوله تعالى: [إِنَّ الَّذِينَ يُبَايِعُونَكَ إِنَّمَا يُبَايِعُونَ اللهَ يَدُ اللهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ فَمَنْ نَكَثَ فَإِنَّمَا يَنْكُثُ عَلَى نَفْسِهِ وَمَنْ أَوْفَى بِمَا عَاهَدَ عَلَيْهُ اللهَ فَسَيُؤْتِيهِ أَجْراً عَظِيماً] (4)، وبالاستقامة على جادة الشريعة، أي بعدم ممارسة ما هو موجب لغضب الله عزّ وجل من الأفعال والأقوال، فلو نكث المبايع تحت الشجرة بيعته ولم يثبت في سوح القتال، أو لم يستقم على جادة الشريعة فمارس من الأفعال والأقوال ما يفضي إلى غضب الله عزّ وجل كالقتل والزنى وشرب الخمر، وما شاكل ذلك من كبائر الذنوب وأعاظمها، فإن رضا الله يزول عنه ويكون مورداً لغضبه سبحانه.
فقد أخرج البخاري في صحيحه بسنده عن العلاء بن المسيب، عن أبيه قال: (لقيت البراء بن عازب رضي الله عنهما، فقلت: طوبى لك، صحبت رسول الله صلى الله عليه وسلم وبايعته تحت الشجرة، فقال:يا ابن أخي إنك لا تدري ما أحدثناه بعده) (5) .
وهناك حديث آخر مروي في موطأ مالك بن أنس، عن أبي النضر مولى عمر بن عبيد الله أنّه بلغه: ( أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لشهداء أحد هؤلاء أشهد عليهم، فقال أبو بكر: ألسنا يا رسول الله بإخوانهم أسلمنا كما أسلموا، وجاهدنا كما جاهدوا؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: بلى، ولكن لا أدري ما تحدثون بعدي، فبكى أبو بكر ثم بكى، ثم قال: إنّا لكائنون بعدك؟) (6).
وذلك يفيد أنّ رضا الله عزّ وجل عن عبده - صحابياً كان أو غيره - مشروطٌ بتقيّد العبد بطاعة الله، وأما إذا ما انحرف عن الطاعة وسلك غير جادة الحق فإن رضا الله يزول عنه، ويحل محلّه غضبه سبحانه، فلذلك نجد النبي صلى الله عليه وآله يشهد لشهداء أحد لعلمه بحالهم، بينما لا يشهد لغيرهم من الصحابة، لأنه لا يعلم ما يحدثون بعده، فلو كان رضا الله عزّ وجل للصحابة من المهاجرين والأنصار وغيرهم من سائر الصحابة مطلقاً وغير مقيد بالاستمرار في طاعة الله لما كان هناك مانع لرسول الله صلى الله عليه وآله من أن يشهد لجميعهم .
إن جماعة ممن بايعوا رسول الله صلى الله عليه وآله تحت الشجرة نكثوا بيعتهم هذه يوم حنين عندما انهزموا من ساحة المعركة وتركوا رسول الله صلى الله عليه وآله طعمة لذؤبان العرب ومشركيها.
لقد كان عدد المسلمين الذين كانوا مع النبي صلى الله عليه وآله في معركة حنين ما يقارب إثني عشر ألف صحابي (7) انهزم جميعهم باستثناء نفر قليل من أقرباء النبي صلى الله عليه وآله لا يلوون على شيء تاركين رسول الله صلى الله عليه وآله هدفاً سهلاً للكافرين، فأمر النبي صلى الله عليه وآله العبّاس أن ينادي من انهزم من المسلمين، ويستغيث بهم وبالخصوص بالمبايعين تحت الشجرة (8)، فرجع منهم مائة (9)، ولم يرجع الباقون إلاّ بعد أن انتصر المسلمون يقولجابر بن عبد الله الأنصاري: (...فوالله ما رجعت راجعة النّاس من هزيمتهم حتى وجدوا الأسارى مكتفين عند رسول الله) (10) .
فلو فرضنا أنّ هذه المائة كلهم من أهل بيعة الرضوان، فيبقى أنّ هناك جماعة منهم ظلّوا هاربين إلى نهاية المعركة .
فهل يكون الله عزّ وجل راضياً عن هؤلاء الفارّين من أهل بيعة الرضوان؟
الجواب: لا قطعاً، لأن الله عزّ وجل يقول في كتابه المجيد: [يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا زَحْفاً فَلا تُوَلُّوهُمُ الْأَدْبَارَ* وَمَنْ يُوَلِّهِمْ يَوْمَئِذٍ دُبُرَهُ إِلَّا مُتَحَرِّفاً لِقِتَالٍ أَوْ مُتَحَيِّزاً إِلَى فِئَةٍ فَقَدْ بَاءَ بِغَضَبٍ مِنَ اللهِ وَمَأْوَاهُ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ](11).
وعليه فكما أنّ الاستدلال بقوله تعالى: [لَقَدْ رَضِيَ اللهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ فَعَلِمَ مَا فِي قُلُوبِهِمْ فَأَنْزَلَ السَّكِينَةَ عَلَيْهِمْ وَأَثَابَهُمْ فَتْحاً قَرِيباً] على عدالة جميع الصحابة باطل، فكذلك لا نستطيع أن نحكم بموجب هذه الآية بعدالة من بايع تحت الشجرة، وذلك لأن استمرارية الرضا لهم من الله مشروطة بعدم نكثهم لهذه البيعة، وبالاستقامة على جادة الحق، وقد دلّت الأدلة على أنّ بعضهم قد نكث هذه البيعة يوم حنين، وما دام لا تعرف أشخاص من نكث من غيرهم فنحتاج إلى دليل آخر يثبت لنا عدالة جميع من بايع تحت الشجرة غير الآية، نعم لو ثبت لنا أن هناك أشخاصاً بأعيانهم لم ينكثوا البيعة ولم يمارسوا من الذنوب والمعاصي ما يؤدي إلى غضب الله من يوم بيعتهم وإلى يوم رحيلهم من الدنيا فإن الآية- بلا شك - تكون دليلاً على عدالتهم .
 
ثالثاً: لقد زعم عثمان الخميس أنّه لم يكن أحد من المنافقين مع النبي صلى الله عليه وآله في الحديبية غير منافق واحد،  وهو الجد بن قيس، وأنّه الوحيد الذي لم يبايعه من بين أولئك الذين كانوا معه صلوات الله وسلامه عليه، إلاّ أننا نجد في رواياتهم أنّ هناك منافقين غير الجد بن قيس كانوا مع النبي صلى الله عليه وآله في الحديبية، وفي مقدمتهم رأس المنافقين عبد الله بن أبي، فإنهم ينقلون أن الناس لما أن شكوا إلى النبي صلى الله عليه وآله قلّت الماء في الحديبية، أخرج صلوات الله وسلامه عليه سهماً من كنانته فدفعه إلى ناجية ابن الأعجم مع دلو ماء كان النبي صلى الله عليه وآله قد تمضض منه ومجّ الماء فيه، يقول ناجية:
(ثم قال انزل بالدلو، فصبها في البئر وانزح ماءها بالسهم، ففعلت فوالذي بعثه بالحق ما كدت أخرج حتى يغمرني ففارت كما يفور القدر، حتى طمت واستوى بشفيرها يغترفون من جانبيها حتى نهلوا من آخرهم، وعلى الماء يومئذ نفر من المنافقين ينظرون إلى الماء، والذي يجيش بالرواء، فقال أوس بن خولي لعبد الله بن أبي ويحك يا أبا الحباب أما آن لك أن تبصر ما أنت عليه أبعد هذا شيء، وردنا بئراً نتبرض ماءها تبرضاً لم يخرج في القعب جرعة ماء، فتوضأ في الدلو ومضمض فيه ثم أفرغه فيها فحثحثها وجاشت بالرواء.
فقال ابن أبي قد رأينا مثل هذا، فقال أوس: قبحك الله وقبح رأيك.
وأقبل ابن أبي يريد رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: أين ما رأيت اليوم؟ قال: ما رأيت مثله قط، قال: فلم قلت ما قلت؟ استغفر الله، فقال ابنه: يا رسول الله استغفر له فاستغفر له)! (12).
وينقلون أن قريشاً: (أرسلت إلى عبد الله بن أبي إن أحببت أن تدخل فتطوف بالبيت فافعل، وابنه جالس عنده فقال له ابنه: يا أبت، أذكرك الله أن تفضحنا في كل موطن؛ تطوف بالبيت ولم يطف رسول الله؟ فأبى ابن أبي وقال: لا أطوف حتى يطوف رسول الله، فبلغ رسول الله صلى الله عليه وسلم كلامه ذلك فسر به)(13) .
وفي هذا دليل على أن ابن أبي رأس المنافقين كان موجوداً مع النبي صلى الله عليه وآله في الحديبية فعلى زعم عثمان الخميس أنّ كل من كان مع النبي صلى الله عليه وآله قد بايعوه تحت الشجرة وأنّه لا يدخل النار أحد منهم باستثناء صاحب الجمل الأحمر، وهو الجد بن قيس، يحكم بصحة إيمان عبد الله بن أبي وأنّه من المؤمنين الذين رضي الله عنهم وأنّه من أهل الجنة ولن تمسه النار.
إننا نقول أن الأدلة قائمة على أن المنافقين كانوا من جملة من كان مع النبي صلى الله عليه وآله، وقد يكونون بايعوه كما بايعه المؤمنون، فلم يرض الله عزّ وجل إلاّ عن بيعة المؤمنين فصرّح سبحانه وتعالى بذلك في قوله: [لَقَدْ رَضِيَ اللهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ فَعَلِمَ مَا فِي قُلُوبِهِمْ فَأَنْزَلَ السَّكِينَةَ عَلَيْهِمْ وَأَثَابَهُمْ فَتْحاً قَرِيباً] فلم يطلق سبحانه وتعالى الرضا عن جميع المبايعين بل خصه بالمؤمنين، وعليه، فإذا كان من بين من بايع النبي صلى الله عليه وآله مؤمنون ومنافقون وأن الرضا خاص بالمؤمنين فلا يصح أن نجعل الآية دليلاً على عدالة أحد ممن بايع تحت الشجرة ما لم يثبت إيمانه بدليل آخر ليخرج من جملة المنافقين، ومع وجود هذا الدليل بالنسبة لفرد أو جماعة منهم فلا بد من النظر في سيرته أيضاً وهل أنّه استقام على جادة الحق في مستقبل حياته من يوم بيعته أم لا، وهل نقض البيعة أم لا، لنحكم عليه حينئذٍ أنّه عادل أم لا.
 
قال عثمان الخميس: (قال الله تبارك وتعالى: [لَا يَسْتَوِي مِنْكُمْ مَنْ أَنْفَقَ مِنْ قَبْلِ الْفَتْحِ وَقَاتَلَ أُولَئِكَ أَعْظَمُ دَرَجَةً مِنَ الَّذِينَ أَنْفَقُوا مِنْ بَعْدُ وَقَاتَلُوا] ثم ماذا [وَكُلًّا وَعَدَ اللهُ الْحُسْنَى] أي وعد الذين أنفقوا وقاتلوا من قبل الفتح، ووعد الذين أنفقوا وقاتلوا من بعد الفتح، ومصداق هذا قول الله تبارك وتعالى : [إِنَّ الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُمْ مِنَّا الْحُسْنَى أُولَئِكَ عَنْهَا مُبْعَدُونَ*لَا يَسْمَعُونَ حَسِيسَهَا وَهُمْ فِي مَا اشْتَهَتْ أَنْفُسُهُمْ خَالِدُونَ*لَا يَحْزُنُهُمُ الْفَزَعُ الْأَكْبَرُ وَتَتَلَقَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ هَذَا يَوْمُكُمُ الَّذِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ] .
فهذه أيضاً شهادة ثانية من الله تبارك وتعالى لعموم أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم سواء منهم من آمن وأنفق من قبل الفتح وكذلك من آمن وأنفق من بعد الفتح) (14) .
 
أقول:
كان على عثمان الخميس قبلأن يفتري على الله عزّ وجل ويزعم بأنه سبحانه شهد لجميع الصحابة بالحسنى ومن ثم بالجنة أن يثبت بالدليل أن جميع الصحابة متصفون بصفتي الإنفاق والقتال وإلاّ فدعواه باطلة، ثم إن دونه لإثبات ذلك خرط القتاد، لأنه من المعلوم والمتسالم عليه بين المسلمين أن الكثيرين ممن عدوا في عداد الصحابة لم ينفقوا ولم يقاتلوا لا قبل الفتح ولا بعده .
فهناك الكثيرون ممن جاؤا إلى النبي صلى الله عليه وآله من القبائل البعيدة عن مكة أو المدينة وأسلموا على يده صلى الله عليه وآله وسمعوا منه ثم رجعوا إلى مواطن قبائلهم دون أن ينفقوا لا درهماً ولا ديناراً أو يطعنوا برمح أو يضربوا بسيف في سبيل الله، وأيضاً من بين الصحابة المؤلفة قلوبهم، وهؤلاء كان النبي صلى الله عليه وآله هو الذي ينفق عليهم ويعطيهم من غنائم الحرب تأليفاً لقلوبهم على الإسلام، فهؤلاء لا يشملهم الوعد بالحسنى الذي تتحدث عنه الآية لفقدانهم صفة الإنفاق التي هي إحدى الصفتين المترتب على الإتصاف بهما نيل الحسنى .
وكذلك من بين الصحابة حسان بن ثابت الذي لم يضرب ولو ضربة واحدة في سبيل الله لا في حياة النبي صلى الله عليه وآله ولا بعده، وكانت الحياة أحب إليه من القتال والشهادة.. فكيف يشمله الوعد بالحسنى المشار إليه في الآية ؟
بل إنّه لا يستطيع أن يثبت من هذه الآية عدالة المعين من الصحابة فضلاً عن مجموعهم، فاتصاف الصحابي بصفتي الإنفاق والقتال لا بد من إثباته بدليل آخر، لأن الآية لا تدل على شيء من ذلك، فاستدلاله بالآية الكريمة على عدالة جميع الصحابة هو نوع من التحريف في آيات كتاب الله عزّ وجل انتصاراً لأهوائه.
 
قال عثمان الخميس: (وقال الله تبارك وتعالى عند ذكر مصارف الغنيمة من المال: {لِلْفُقَرَاءِ الْمُهَاجِرِينَ الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيارِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللهِ وَرِضْوَانًا وَيَنْصُرُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُولَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ}، وقوله: {يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللهِ وَرِضْوَانًا}، هذا من أعمال القلوب أثبته الله تبارك وتعالى لهم، وقال: {وَالَّذِينَ تَبَوَّءُوا الدَّارَ وَالْإِيمَانَ مِنْ قَبْلِهِمْ} وهم الأنصار {يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ وَلَا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حَاجَةً مِمَّا أُوتُوا وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ}) (15).
أقول:
أولاً: إنّ من بين المهاجرين والأنصار من وصفه القرآن بأن في قلبه مرض وذلك في قوله تعالى: [وَمَا جَعَلْنَا أَصْحَابَ النَّارِ إِلاّ مَلائِكَةً وَمَا جَعَلْنَا عِدَّتَهُمْ إِلاّ فِتْنَةً لِلَّذِينَ كَفَرُوا لِيَسْتَيْقِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ وَيَزْدَادَ الَّذِينَ آمَنُوا إِيمَاناً وَلا يَرْتَابَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ وَالْمُؤْمِنُونَ وَلِيَقُولَ الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ وَالْكَافِرُونَ مَاذَا أَرَادَ اللهُ بِهَذَا مَثَلاً كَذَلِكَ يُضِلُّ اللهُ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ وَمَا يَعْلَمُ جُنُودَ رَبِّكَ إِلاّ هُوَ وَمَا هِيَ إِلاّ ذِكْرَى لِلْبَشَرِ](16)، فهذه الآية التي هي من سورة المدثر المكيّة النزول تشير إلى وجود مرضى القلوب في مكة، وجعلتهم قسيماً لأهل الكتاب والمؤمنين والكفار، وسواء قلنا بأن المراد بمرضى القلوب المنافقون أو ضعفاء الإيمان والعقيدة فإن هؤلاء لا يمكن أن نصفهم بأنهم من الصادقين وممن رضي الله عزّ وجل عنهم، وباعتبار أن هؤلاء غير مشخصين بأعيانهم من بين المؤمنين المهاجرين فلا يمكن الحكم بعدالة معين ممن اتصف بالهجرة بموجب هذه الآيات، بل لا بد من قيام دليل آخر على عدالته .
ثانياً: إنّ من بين الأنصار من هم منافقون، قال تعالى: [وَمِمَّنْ حَوْلَكُمْ مِنَ الْأَعْرَابِ مُنَافِقُونَ وَمِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ مَرَدُوا عَلَى النِّفَاقِ لا تَعْلَمُهُمْ نَحْنُ نَعْلَمُهُمْ سَنُعَذِّبُهُمْ مَرَّتَيْنِ ثُمَّ يُرَدُّونَ إِلَى عَذَابٍ عَظِيمٍ] (17)، وقطعاً هؤلاء ليسوا من أهل الفلاح، ولا من الذين رضي الله عنهم، وباعتبار أن بعض هؤلاء المنافقين المعدودين في الأنصار ليسوا بمشخصين بأعيانهم وأسمائهم، بل إن بعضهم غير معروف حتى للنبي صلى الله عليه وآله كما هو صريح الآية السالفة، فلا يمكن أن نحكم أيضاً بعدالة معين من الأنصار بموجب الآية، فضلاً عن المجموع، بل لا بد من قيام دليل آخر على عدالته.
ثالثاً: ثم إن من بين الذين جاؤا من بعدهم من الصحابة أناس لم يتبعوهم بإحسان، ولم يستغفروا للذين سبقوهم بالإيمان، بل أصبحت قلوبهم مرتعاً للغل والحسد للذين آمنوا؛ من مثل معاوية بن أبي سفيان، والمغيرة بن شعبة، وعمرو بن العاص، وأبو الغادية يسار بن سبع (18)،  وأمثالهم من البغاة والقاتلين للصادقين من المهاجرين والمفلحين من الأنصار في الجمل وصفين وغيرهما، واللاعنين لآل محمد صلى الله عليه وآله على المنابر في خطبهم وغيرها .
 
قال عثمان الخميس: (وقال جل وعلا عن أمة محمد صلى الله عليه وسلم : [كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ]، ويستحيل أبداً أن تكون هذه الأمة التي أخبر الله تبارك وتعالى أنّها خير أمة أخرجت للناس، يستحيل أن تكون كما يقول الشيعة: إن المهاجرين والأنصار كلهم ارتدوا إلاّ ثلاثة، الذين يرتدون جميعاً ولا يبقى منهم إلاّ ثلاثة، لا يقول الله إنّهم خير أمة أخرجت للناس) (19).
 
أقول:
أولاً: الخطاب في هذه الآية الكريمة ليس مقتصراً على الصحابة، بل هو لجميع أمة النبي محمد صلى الله عليه وآله، فإذا كان فيها دلالة على عدالة كل الصحابة، فيلزم القول أنها تفيد أيضاً عدالة جميع أمة النبي محمد صلى الله عليه وآله، وهذا لا قائل به، فعدم دلالتها على عدالة جميع الأمة هو دليل على عدم دلالتها على عدالة جميع الصحابة.
ثانياً: إنّ الشيعة لا يقولون بارتداد جميع المهاجرين والأنصار إلاّ ثلاثة، فلا يوجد عالم من علماء الشيعة معتد بقوله عندهم يقول بهذا القول، فدعوى عثمان الخميس أن الشيعة يقولون بذلك محض كذب وافتراء على الشيعة، نعم ورد ذلك في بعض الروايات الشيعية ولكنهم لا يلزمون بهذه الرّوايات حتى وإن كانت صحيحة سنداً ما لم يعتقدوا ويؤمنوا بمضمونها، فإن للشيعة في قبول الرواية والعمل بها والقول بمضمونها شروطاً، وليست صحة السند إلاّ شرطاً واحداً من هذه الشروط، فالرواية التي  تقول أن الصحابة جميعهم ارتدوا إلاّ ثلاثة، لا يمكن قبولها على ظاهرها فلا بد من طرحها أو تأويلها كأن يراد بالارتدادفيها التخلف عن واجب مهم منالواجبات الدينية وهو نصرة الإمام أمير المؤمنين علي بن أبي طالب عليه السلام عندما اعتدي عليه وأخذ منه حقه الذي جعله الله عزّ وجل ورسوله له،  وليس الارتداد عن الإسلام إلى الكفر والعياذ بالله .
 
قال عثمان الخميس: ( وقال النبي صلى الله عليه وسلم: لا تسبّوا أصحابي، فو الذي نفسي بيده  لو أنّ أحدكم أنفق مثل أحد ذهباً ما بلغ مدّ أحدهم ولا نصيفه، متفق عليه) (20).
 
أقول: لا دلالة في هذه الرّواية على عدالة جميع الصحابة، لأن المخاطب بالنهي فيها بعض من هم معدودون في عداد الصحابة، فقد ذكرت رواياتهم أنّه خالد بن الوليد في قضية حصلت بينه وبين عبد الرحمن بن عوف، فالمراد بقوله صلى الله عليه وآله: «أصحابي» - على فرض صحة صدور هذا الحديث من رسول الله صلى الله عليه وآله - جماعة مخصوصة لا جميع من يدّعي أهل السنة صحبتهم لرسول الله صلى الله عليه وآله، فالاستدلال بهذه الرّواية على عدالة جميع الصحابة باطل .
ثم إنّ مجرد النهي عن سبِّ أحد لا يدل ذلك على عدالته، وإلاّ فإن كل مسلم عادل لأنّه ورد في الرّواية عنه صلى الله عليه وآله أنّه قال: (سباب المسلم فسوق وقتاله كفر) (21)، فهل يقول عثمان الخميس بعدالة كل المسلمين ؟!!!
 
قال عثمان الخميس: (ويقول الرسول صلى الله عليه وآله: يدعى نوح يوم القيامة فيقول: لبيك وسعديك يا رب، فيقول الله له: هل بلغت؟ فيقول: نعم، فيقال لأمة نوح: هل بلّغكم؟ فيقولون ما أتانا من نذير، فيقول الله لنوح: من يشهد لك أنّك بلّغت؟
فيقول: محمد وأمته، فيشهدون لنوح عليه الصلاة والسلام.
وقال النبي صلى الله عليه وسلم وذلك عند قول الله تبارك وتعالى : [وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ على الناس وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا] .
ثم قال النبي صلى الله عليه وسلم مفسّراً هذه الآية: (الوسط العدل) رواه البخاري.
وهذا التفسير من النبي صلوات الله وسلامه عليه، الوسط العدل فهذا إثبات من الله تبارك وتعالى أنّ هذه الأمة أمة عادلة معدلة من الله تبارك وتعالى) (22).
 
أقول : إنّ عثمان الخميس يحاول في كلامه هذا أن يثبت ليس عدالة جميع الصحابة وإنما عدالة أمّة النبي محمد صلى الله عليه وآله، وعدالة كل فرد من أفراد هذه الأمة مما لا قائل به، ويخالفه واقع حال الكثيرين من أفرادها، فهو إمّا أن يقول بعدالة جميع الأمة بما فيهم الصحابة بموجب دليله هذا ويخالف إجماع المسلمين، أو يرفع يده عن الاستدل به، لأن المعني بكل ما أورده أمةّ النبي صلى الله عليه وآله لا خصوص الصحابة .
 
قال عثمان الخميس: ( وكذلك من الأمور التي تدل على عدالة أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم بشكل مجمل وعام ما قام به أهل العلم من تمحيص الروايات التي رواها أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم فما وجدوا صحابياً واحداً كذب كذبة واحدة على النبي صلى الله عليه وسلم بل مع انتشار البدع في آخر عهد الصحابة رضي الله عنهم كبدعة القدرية والشيعة والخوارج لم يكن صحابي واحد من أولئك القوم أبداً وهذا دليل على أنّ الله اصطفاهم واختارهم لصحبة نبيّه صلى الله عليه وسلم) (23).
 
أقول:
أولاً: ليس كل الصحابة لهم روايات رووها عن رسول الله صلى الله عليه وآله، فالذين وجدت لهم روايات عنه هم قلة نسبة إلى مجموع الصحابة.
 
ثانياً: كيف علم هؤلاء العلماء أن ما رواه هؤلاء الصحابة من روايات عن رسول الله صلى الله عليه وآله كلّه مما صدر عنه صلى الله عليه وآله، حيث لا سبيل إلى هذه المعرفة إلاّ أن يكون هناكتسجيل كامل موثوق به لكل أقوال وأفعال وتصرفات النبي صلى الله عليه وآله، فهم بمطابقة ما رواه عنه هؤلاء الصحابة بما هو مثبت في التسجيل علموا عدم كذبهم، ومثل هذا التسجيل غير موجود فلا سبيل آخر إلى معرفة ذلك إلاّ أن يكون لهؤلاء اتصال بالغيب والوحي فأخبروا من هذا الطريق عن صحة كل ما رواه هؤلاء الصحابة عن رسول الله صلى الله عليه وآله،  لكن لكي تصح دعواهم هذه عليهم أن يثبتوا هذا الاتصال!!
نعم لو كانت كل الرّوايات المروية عن هؤلاء عن رسول الله صلى الله عليه وآله مما تواتر واستفاض، بمعنى أنها مروية من طرق عديدة أو كثيرة لكان لهذا القول وجه من الصحة، لكن جل هذه الروايات روايات آحاد لا تصل إلى درجة الاستفاضة أو التواتر إلاّ القليل جداً منها.
 
ثالثاً: ليس تعريف العدالة هو: عدم الكذب، فمن لا يكذب يكون عادلاً، وإنّما تعريفها: الاستقامة على جادة الشريعة، وذلك بالإتمار بأوامر الله عزّ وجل، بفعل الواجبات وترك المحرّمات، فكيف يستدل الخميس بعدم كذبهم على عدالتهم؟!
نعم يمكن أن يستدل بعدم كذبهم على وثاقة نقلهم عن رسول الله صلى الله عليه وآله وصدق خبرهم إذا صحّ الخبر إليهم، لكن لا دليل على عدم كذبهم على رسول الله صلى الله عليه وآله، وما استدل به الخميس على ذلك قد بيّنا وهنه وضعفه وعدم دلالته.
 
قال عثمان الخميس: ( ثم كذلك لا بد من التنبيه على أمر مهم هو: أنّه لا يلزم من العدالة العصمة، نحن وإن كنّا نقول بعدالة أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم، ولكننا لا نقول بعصمتهم فهم بشر، وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: كل ابن آدم خطاء، فهم من أولاد آدمخطاؤون يخطئون ويصيبون وإن كانت أخطاؤهم مغمورة في بحور حسناتهم رضي الله تبارك وتعالى عنهم وأرضاهم) (24).
 
أقول: لقد ذكرنا أن العدالة هي الائتمار بأوامر الله بفعل الواجبات وترك المحرّمات، فمن ترك واجباً أو فعل محرّماً تسقط عدالته، ولا ترجع إليه إلاّ بالإنابة والتوبة، فالصحابة مثلهم مثل غيرهم لا يوجد دليل يستثنيهم من ذلك، فمن ثبت على أحد منهم أنّه ارتكب  شيئاً من المحرمات بترك واجب أو بفعل منهي عنه سقطت عدالته،  فلا تبقى العدالة ملازمة له بعد ارتكابه المعصية ما لم يتب منها، وإنما تعود إليه بالتوبة، ودعوى أن سيئاتهم مغمورة في حسناتهم دعوى عرية من البرهان، فمنهم من قام الدليل على ارتكابه الكبائر فلم تشفع له حسناته ولا صحبته ولا كونه من أهل بدر أو الحديبية في درء الحد عنه، بل منهم من قام الدليل على أنّه من أهل النار كأبي الغادية الجهني قاتل عمار بن ياسر أو غيره بنص حديث الحوض الآتي.
 
قال عثمان الخميس: ( الذين طعنوا في عدالة أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم أربع فرق: الفرقة الأولى: الشيعة، الفرقة الثانية: الخوارج، الفرقة الثالثة: النواصب، الفرقة الرابعة: المعتزلة، وكل هؤلاء لا يؤثرون في إجماع المسلمين لأنهم لا يعتد بخلافهم) (25).   
 
أقول:
أولاً: إن الشيعة مسلمون حتى لا يعتد بخلافهم، إلاّ إذا كان عثمان الخميس يخرجهم من ملة الإسلام وهذا ما يوحيه قوله السالف!!!.
 
ثانياً: إنّ هذا الإجماع قائم على غير دليل، لأنّ كل الأدلة التي يسوقها القوم لإثبات عدالة جميع الصحابة لا دلالة فيها على مدّعاهم هذا، فهذا عثمان الخميس قد أورد عمدة أدلتهم في ذلك وفنّدنا هذه الأدلة واحداً واحداً وأثبتنا عدم دلالتها على مطلوبهم.
 
قال عثمان الخميس: (ما حجتهم في طعنهم في أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم ؟
أولاً : وقوع المعاصي من بعض أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم .
ثانياً: من الصحابة من هو منافق بنص القرآن والسنة .
ثالثاً: يلزم من العدالة المساواة في المنزلة وإذا كانت المساواة في المنزلة منفية عندنا جميعاً فكذلك العدالة تكون منفية.
رابعاً: لا يوجد دليل على عدالة كل أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم.
الجواب: أما وقوع المعاصي من بعضهم فقد ذكرنا أنّ وقوع المعاصي لا يضر بعدالتهم، وإنما نقول هم عدول وغير معصومين ) (26).
 
أقول: بل يضر وقوع المعاصي بعدالتهم، لأن العدالة – كما مر – هي الإستقامة على جادة الشريعة الإسلامية ترتفع عن صاحبها بممارسته للمعاصي، وتعود إليه بالتوبة والاستقامة مرة أخرى على طريق الحق، إلاّ إذا كان عثمان الخميس يريد بالعدالة هنا عدم الكذب على رسول الله صلى الله عليه وآله فقط، فنرد عليه بالقول: أنّ عدم عصمتهم دليل على إمكان ممارستهم للكذب، ولا يوجد دليل يدل على أنّهم صادقون في كل خبر نسبوه إليه صلى الله عليه وآله فيكون حالهم حال غيرهم من رواة الأخبار ونقلة الآثار، فلا بد من إثبات وثاقتهم، فمن قام الدليل على وثاقته حكم عليه بها، ومن قام الدليل على خلافها حكم عليه بعدمها، ومن لم يعلم حاله من حيث الوثاقة وعدمها حكم بجاهلته، فيرد خبره ما لم يعضده ما يدل على صحته.
 
قال عثمان الخميس: ( وأمّا قولهم إن من الصحابة من هو منافق فهذا كذب، والمنافقون ليسوا من الصحابة، ولذلك لما تأتي إلى تعريف الصحابي تجد أنّه من لقي النبي صلى الله عليه وسلم وهو مؤمن ومات على ذلك، والمنافقون لم يلقوا النبي صلى الله عليه وسلم مؤمنين ولا ماتوا على الإيمان فلا يدخلون في هذا التعريف) (27).
 
أقول: لا يمكن لعثمان الخميس أن ينكر أن من جملة من كان مع النبي صلى الله عليه وآله هم من المنافقين، وكان بعض هؤلاء على درجة عالية من التستر بنفاقه، حتى أنهم لم يكونوا معروفين للنبي صلى الله عليه وآله كما هو صريح القرآن الكريم، وهؤلاء لم يكونوا قلة بل كان عددهم كبيراً حتى أنّ الله عز وجل أنزل فيهم سورة كاملة سميّت بسورة «المنافقون»، وإذا كان الأمر كذلك فلا بد لتمييز المؤمن منهم من غيره ومعرفة حاله من خلال الإطلاع على سيرته، فالكثير ممن حكم أهل السنة بعدالتهم وعدّوا في عداد الصحابة لا يعرف من حالهم شيء سوى أنهم رؤوا النبي صلى الله عليه وآله وسمعوا منه.
فكيف عرفوا أنّ هؤلاء ليسوا من المنافقين؟!
وعلى فرض أنّهم علموا أنّهم مؤمنون فكيف عرفوا أنهم كانوا من المستقيمن على جادة الشريعة الإسلامية ليحكموا بعدالتهم؟!
وإذا كانوا يريدون بالعدالة عدم الكذب على رسول الله صلى الله عليه وآله، فكيف عرفوا أنّ هؤلاء لم يكذبوا عليه فيما نسبوه إليه؟!   
 
قال عثمان الخميس: ( أما قولهم يلزم من العدالة أن يتساووا في المنزلة فهذا غير صحيح ولا يلزم بل نحن نقول عدول وبعضهم أفضل من بعض...) (28) .
 
أقول: هذا ليس قول الشيعة، فالشيعة يعلمون أن القول بعدالة شخص ما لا يلزم منه أن يكون مساوياً في كل شيء للشخص العادل الآخر، فالإيمان درجات والتقوى درجات، فقد يكون الإنسان عادلاً ولكنه في إيمانه وتقواه أقل درجة من الآخر العادل.
 
قال عثمان الخميس: ( وأمّا قولهم لا يوجد دليل على عدالة كل الصحابة فقد مرت بعض الأدلة من القرآن والسنة ...) (29).
 
أقول: إن كل الأدلة القرآنية التي ساقها عثمان الخميس قد أبطلنا دلالتها على مطلوبه، وبينا أن لا دلالة فيها على هذه العدالة المدّعاة، وأمّا الرّوايات فهي رواياتهم فهي ملزمة لهم لا يحق لهم بحال أن يحتجوا بها على غيرهم ممن لا يؤمن  بصحتها، علماً أنّه لا توجد لديهم رواية واحدة صحيحة تدل على عدالة جميع الصحابة.
 
قال عثمان الخميس:( أول شبهة يطالعنا بها أهل البدع حديث النبي صلى الله عليه وسلم عن الحوض فقال : «يرد عليّ رجال أعرفهم ويعرفوني فيذادون عن الحوض فأقول أصحابي أصحابي فيقال : إنك لا تدري ماذا أحدثوا بعدك»، هذا الحديث له طرق كثيرة وروايات كثيرة ، منها: « إني على الحوض حتى أنظر من يرد عليّ منكم وسيؤخذ أناس دوني فأقول يا رب مني ومن أمتي فيقال: أما شعرت ما عملوا بعدك، والله ما برحوا بعدك يرجعون على أعقابهم» قال ابن أبي مليكة أحد رواة الحديث: اللهم إنا نعوذ بك أن نرجع على أعقابنا.
والرواية الثانية: «أنا فرطكم على الحوض» أي أسبقكم على الحوض «ولأنازعن أقواماً ثم لأغلبن فأقول يا رب أصحابي أصحابي فيقال: إنك لا تدري ما أحدثوا بعدك» وهذا الحديثان أخرجهما الإمام مسلم في صحيحه ولتوجيهه نقول: ...) (30).
 
أقول : حديث الحوض هذا كما ذكر عثمان الخميس له طرق كثيرة بل هو من الأحاديث المتواترة عن النبي صلى الله عليه وآله، وقفت على رواية ما يقارب أربعة عشر راوياً له من الصحابة وهم:
1- حذيفة بن اليمان:
أخرج روايته أحمد بن حنبل في مسنده قال: ( حدثنا سريج بن النعمان، حدثنا هشيم،عن المغيرة، عن أبي وائل، عن ابن مسعود، وحصين، عن أبي وائل، عن حذيفة قالا: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «أنا فرطكم على الحوض أنظركم ليرفع لي رجال منكم حتى إذا عرفتهم اختلجوا دوني فأقول رب أصحابي أصحابي فيقال إنك لا تدري ما أحدثوا بعدك»)(31)  .
2 – أنس بن مالك :
أخرج روايته مسلم بن الحجاج في صحيحه فقال: ( وحدثني محمد بن حاتم، حدثنا عفان بن مسلم الصفار، حدثنا وهيب، قال: سمعت عبدالعزيز بن صهيب يحدث قال: حدثنا أنس بن مالك أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «ليردن عليّ الحوض رجال ممن صاحبني، حتى إذا رأيتهم ورفعوا إليّ اختلجوا دوني، فلأقـولن أي رب أصيحابي أصيحابي فليقـالن لـي إنك لا تدري ما أحدثوا بعدك») (32)  .
3 – نفيع بن الحارث ( أبو بكرة ) :
أخرج روايته أحمد بن حنبل في مسنده فقال: (حدثنا عفان، حدثنا حماد بن سلمة، أنا علي بن زيد، عن الحسن، عن أبي بكرة أن رسول الله Iقال: «ليردن عليّ الحوضرجال ممن صحبني ورآني، حتى إذا رفعوا إليّ ورأيتهـم اختلجوا دونـي، فلأقـولن رب أصحابي أصحابي، فيقال إنك لا تدري ما أحدثوا بعدك» ) (33).
4 – سمرة بن جندب :
أخرج روايته الطبراني في المعجم الأوسط فقال: (حدثنا محمد بن جعفر، نا الحسن بن بشر، حدثنا الحكم بن عبدالملك، عن قتادة، عن الحسن، عن سمرة بن جندب قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : «يرد عليّ قوم ممن كانوا معي، فإذا رفعـوا إليّ ورأيتهـم اختلجوا دوني، فأقـول يا رب أصيحابي أصيحابي، فيقـال: إنك لا تدري ما أحدثوا بعدك») (34) .
5 – عمر بن الخطاب:
أخرج روايته البزار في مسنده فقال: (حدثنا الفضل بن سهل، قال: نا مالك بن إسماعيل، قال: نا يعقوب بن عبد الله العمي، عن حفص بن حميد، عن عكرمة، عن ابن عباس، عن عمر بن الخطاب قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إني ممسك بحجزكم هلمّ عن النار، وأنتم تهافتـون فيـها أو تقاحمـون تقاحم الفراش في النار والجنادب –يعني في النار–  وأنا ممسك بحجزكم، وأنا فرط لكم على الحوض فتردون عليّ معاً وأشتاتاً فأعرفكم بسيماكم وأسمائكم كما يعرف الرجل الفرس» وقال غيره:«كما يعرف الرجل الغريبة من الإبل في إبله، فيؤخذ بكم ذات الشمال، فأقول إليّ يارب أمتي أمتي، فيقول أو يقال: يا محمد إنك لا تدري ما أحدثوا بعدك») (35) .
6 – عبد الله بن عباس :
أخرج روايته البخاري في صحيحه فقال: (حدثنا محمد بن كثير، أخبرنا سفيان، حدثنا المغيرة بن النعمان، قال: حدثني سعيد بن جبير، عن ابن عباس رضي الله عنهما عـن النبيصلى الله عليه وسلم قـال:«إنكم محشورون حفاة عراة غرلا ثم قرأ: [كَمَا بَدَأْنَا أَوَّلَ خَلْقٍ نُّعِيدُهُ وَعْداً عَلَيْنَا إِنَّا كُنَّا فَاعِلِينَ]وأول من يكسى يوم القيامة إبراهيم، وإن أناساً من أصحابي يؤخذ بهم ذات الشمال فأقول أصحابي أصحابي، فيقول: إنهم لم يزالوا مرتدين على أعقابهم منذ فارقتهم، فأقول كما قال العبـد الصـالح: [وَكُنْتُ عَلَيْهِمْ شَهِيداً مَا دُمْتُ فِيهِمْ] إلى قوله: [الْحَكِيمُ]») (36)  .
7 – أبو سعيد الخدري:
أخرج روايته أبو يعلى الموصلي في مسنده قال: (حدثنا زهير، حدثنا أبو عامر، عن زهير، عن عبدالله بن محمد، عن عبدالرحمن بن أبي سعيد الخدري، عن أبيه، قال: سمعت I يقول على هذا المنبر: «ما بال رجال يقولون إن رحم رسول الله صلى الله عليه وسلم لا تنفع قومه، بلى والله إن رحمي موصولة في الدنيا والآخرة، وإني أيها الناس فرط لكم على الحوض فإذا جئتم قال رجل:يا رسول الله أنا فلان بن فلان، وقال آخر:أنا فــلان بن فلان، فأقول: أما النسب فقد عرفته، ولكنكم أحدثتم بعدي وارتددتم القهقرى») (37) .
8 – أبو هريرة الدوسي :
أخرج روايته البخاري في صحيحه فقال: (حدثني إبراهيم بن المنذر الحزامي، حدثنا محمد بن فليح، حدثنا أبي، قال: حدثني هلال، عن عطاء بن يسار، عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال:«بينا أنا قائم إذا زمرة حتى إذا عرفتهم، خرج رجل من بيني وبينهم فقال: هلم، فقلت: أين ؟
قال: إلى النار والله!
قلت: وما شأنهم؟
قال: إنهم ارتدوا بعدك على أدبارهم القهقرى!
ثم إذا زمـرة حتى إذا عرفتهم خرج رجـل من بيني وبينهم فقـال: هلم، قلت: أين؟.
قال: إلى النار والله!
قلت: ما شأنهم؟
قال: إنـهم ارتدوا بعدك على أدبارهم القهقرى، فلا أراه يخلص منهم إلاّ مثل همل النعم» ) (38) .
9 – عبدالله بن مسعود :
أخـرج روايته البخاري فـي صحيحه فقـال: ( وحـدثني عمرو بن علي، حدثنا محمد بن جعفر، حدثنا شعبة، عن المغيرة، قال: سمعت أبا وائل، عن عبدالله بن مسعود رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «أنا فرطكم على الحوض، ليرفعن إليّ رجال منكم ثم ليختلجن دوني، فأقول يارب أصحابي فيقال: إنك لا تدري ما أحدثوا بعدك») (39)  .
10 – جابر بن عبدالله الأنصاري :
أخرج روايته أحمد بن حنبل في مسنده فقال: ( حدثنا زكريا بن إسحاق، حدثنا أبو الزبير، أنه سمع جابر بن عبدالله يقول: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:«أنا على الحوض أنظر من يرد عليّ، قال: فيؤخذ ناس دوني، فأقول: يا رب مني ومن أمتي، قال: فيقال وما يدريك ما عملوا بعدك ما برحوا بعدك يرجعون على أعقابهم» ) (40) .
11 – سهل بن سعد:
أخرج روايته البخاري في صحيحه فقال: (حدثنا يحيى بن بكير، حدثنا يعقوب ابن عبد الرحمن، عن أبي حازم، قال: سمعت سهل بن سعد يقول: سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول:«أنا فرطكم على الحوض من ورده شرب منه ومن شرب منه لم يظمأ بعده أبداً، ليردن عليّ أقوام أعرفهم ويعرفونني ثم يحال بيني وبينهم» قال أبو حازم: فسمعني النعمان بن أبي عياش وأنا أحدثهم هذا، فقال: هكذا سمعت سهلاً؟  فقلت: نعم .
قال: وأنا أشهد على أبي سعيد الخدري لسمعته يزيد فيه قال : «إنهم مني فيقال: إنك لا تدري ما بدلوا بعدك، فأقول سحقاً سحقاً لمن بدل بعدي» ) (41).
12 – أبو الدرداء :
أخرج روايته الطبراني في مسند الشاميين فقال: (حدثنا أحمد بن خليد الحلبي، حدثنا أبو توبة الربيع بن نفاع، حدثنا محمد بن مهاجر، عن يزيد بن أبي مريم، عن أبي عبيدالله بن مسلم بن مشكم، عن أبي الدرداء قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : «لألفين ما نوزعت أحداً  منكم على الحوض فأقول: هم أصحابي، فيقال: إنك لا تدري ما أحدثوا بعدك»! .
قال أبو الدرداء: يا نبي الله ادع الله أن لا يجعلني منهم.
قال: لست منهم) (42) .
13 – أسماء بنت أبي بكر :
أخـرج روايتها البخاري في صحيحه قـال: ( حدثنا سعيد بن أبي مريم، عن نافع ابن عمر قال: حدثني ابن أبي مليكة، عن أسماء بنت أبي بكر قالت: قال النبيصلى الله عليه وسلم :«إني على الحوض حتى أنظر من يرد عليّ منكم، وسيؤخذ ناس دوني فأقول: يا رب مني ومن أمتي، فيقال: هل شعرت ما عملوا بعدك؟! والله ما برحوا يرجعون على أعقابهم» .
فكان ابن أبي مليكة يقول: اللهم إنا نعوذ بك أن نرجع على أعقابنا أو نفتن عنديننا) (43).
14 – عائشة بنت أبي بكر :
أخرج روايتها مسلم في صحيحه قال: ( وحدثنا ابن أبي عمر، حدثنا يحيى بن سليم، عن أبي خثيم، عن عبدالله بن عبيدالله ابن أبي مليكة أنه سمع عائشة تقول: سمعت رسول اللهصلى الله عليه وسلم يقول - وهو بين ظهراني أصحابه - : «إني على الحوض أنتظر من يرد عليّ منكم، فوالله ليقتطعن دوني رجال فلأقولن أي رب مني ومن أمتي، فيقول: إنك لا تدري ما عملوا بعدك ما زالوا يرجعون على أعقابهم») (44).
 
قال عثمان الخميس: ( أولاً: إن المراد بالصحابة هنا هم المنافقون، الذين كانوا يظهرون الإسلام في عهد النبي صلى الله عليه وسلم كما قال تبارك وتعالى: {إِذَا جَاءَكَ الْمُنَافِقُونَ قَالُوا نَشْهَدُ إِنَّكَ لَرَسُولُ اللهِ وَاللهُ يَعْلَمُ إِنَّكَ لَرَسُولُهُ وَاللهُ يَشْهَدُ إِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَكَاذِبُونَ}وأولئك من المنافقين الذين لم يكن يعلمهم النبي صلى الله عليه وسلم كما قال جل وعلا: {وَمِمَّنْ حَوْلَكُمْ مِّنَ اْلأَعْرَابِ مُنَافِقُونَوَمِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ مَرَدُوا عَلَى النِّفَاقِ لاَ تَعْلَمُهُمْ نَحْنُ نَعْلَمُهُمْ }، فهؤلاء من المنافقين الذين كان يظن النبي صلى الله عليه وسلم أنهم من الصحابة ولم يكونوا كذلك) (45).
 
أقول: هذا الوجه في تأويل روايات الارتداد باطل، وذلك لأن الروايات تقول أن النبي صلى الله عليه وآله عندما يستفهم عن سبب طردهم عن حوضه والأمر بهم إلى النار يجاب بالقول:(إنك لا تدري ما أحدثوا بعدك)! ، ( إنهم لم يزالوا مرتدين على أعقابهم منذ فارقتهم)! ، (إنهم ارتدوا على أدبارهم القهقرى)! ، (إنهم قد بدلوا بعدك)! ، (وما يدريك ما عملوا بعدك، ما برحوا بعدك يرجعون على أعقابهم ) وبعض هذه الروايات يقول أن هؤلاء الصحابة عندما يأتون إلى النبي صلى الله عليه وآلهيطلبون منه الشفاعة ويعرّفونه بأنفسهم وأنسابهم يقول لهم: (ولكنكم أحدثتم بعدي وارتددتم القهقرى) .
وكل ذلك يفيد أن هؤلاء الصحابة كانوا على دين الإسلام في حياته صلى الله عليه وآله ولم يكونوا من المنافقين، لأن المنافقين لم يسلموا قط وإنما أظهروا الإسلام وأبطنوا الشرك والكفر، فلا يصح وصفهم بالمرتدين وبأنهم رجعوا على أعقابهم، وإنما الذي يصح وصفه بذلك هو من آمن بالإسلام واعتقد به ثم كفر به وارتد عنه، أو من آمن برسالة الإسلام والتزم بتعاليمها في بداية الأمر ثم ارتد عن العمل بهذه التعاليم، وارتكب الكبائر من الذنوب وفعل العظيم من المخالفات الشرعية، فتوجيه عثمان الخميس لهذه الروايات على أنها تعني المنافقين الذين كان النبي صلى الله عليه وآله لا يعلم نفاقهم فاسد وغير صحيح لما ذكرنا.
 
قال عثمان الخميس: (ثانياً : المراد بهم الذين ارتدوا بعد وفاة النبي صلى الله عليه وسلم فبعد وفاة النبي صلى الله عليه وسلم ارتد أكثر العرب، حتى لم يبق على الإسلام إلاّ أهل مكة وأهل المدينة وأهل الطائف، وقيل أهل البحرين، أما بقية العرب فقـد ارتدوا على أدبارهم فأولئك الذيـن كان النبي صلى الله عليه وسلم يقول: أصحابي: فيقـال له: إنك لا تـدري ما أحدثوا بعـدك، وإنهم لم يزالوا مرتدين على أدبارهم منذ فارقتهم) (46).
 
أقول:
أولاً: هذا تخصيص بلا مخصص، فلم يأت الخميس بدليل يؤيد بههذا التخصيص .
 
ثانياً: الذي يظهر من هذه الروايات أن الرّدة فيها ليست عن الإسلام والخروج عنه إلى الكفر والشرك والإلحاد أو إلى إحدى الديانات المنسوخة أو الفاسدة، بدليل أن بعض الروايات تقول بأنه لا يسلم من هؤلاء إلاّ مثل همل النعم «أي القليل» والمرتدون عن الإسلام الخارجون منه الكافرون به لا يمكن أن يسلم منهم أحد بل مصيرهم جميعاً إلى النار.
 
قال عثمان الخميس: (ثالثاً: المراد المعنى العام أي كل من صحب النبي صلى الله عليه وسلم ولو لم يتابعه فلا يدخلون تحت المعنى الإصطلاحي لكلمة صحابي، ويدل على هذا أن النبي صلى الله عليه وسلم لما قال عبدالله بن أبي بن سلول: لئن رجعنا إلى المدينة ليخرجن منها الأعز الأذل، وعبدالله بن أبي بن سلول كان رأس المنافقين في مدينة رسول الله صلى الله عليه وسلم فلما نقل لعمر هذا الكلام قالللنبي صلى الله عليه وسلم: يا رسول الله أضرب عنقه؟ فقـال النبي صلى الله عليه وسلم: «لا، لا يقال إن محمداً يقتل أصحابه» رواه البخاري .
فجعله النبيصلى الله عليه وسلم من أصحابه ولكن هذا على المعنى اللغوي لا على المعنى الإصطلاحي لأن عبدالله بن أبي بن سلول رأس المنافقين وكان ممن فضحه الله تبارك وتعالى وكان ممن أظهر نفاقه جهرة) (47)  .
 
أقول: وهذا الوجه كالوجه الأول واضح البطلان والفساد، لأن المنافق أو غير المسلم لا يوصف بالارتداد عن الإسلام أو الدين لأنه لم يدخل فيه ولم يؤمن به.
 
قال عثمان الخميس: ( رابعاً: قد يراد بكلمة أصحابي كل من صحب النبـي صلى الله عليه وسلم على الطريق ولو لم يـره ويدل علـى هـذه رواية «أمتي ، أمتي» أو «إنهم أمتي».
أما قول النبي صلى الله عليه وسلم أعرفهم، فالنبي صلى الله عليه وسلم قد بين أنه يعرف هذه الأمة، فقيل يا رسول الله كيف تعرفهم ولم ترهم؟ فيقول : «إني أعرفهم من آثار الوضوء») (48) .
 
أقول : وهذا التوجيه يبطله ما ورد في بعض الروايات من قول النبي صلى الله عليه وآله:
(يرد عليّ قوم ممن كانوا معي ...)
(يرد عليّ الحوض رجال ممن صحبني ورآني ...)
(ليردن عليّ الحوض رجال ممن صاحبني ...) .
وهذا واضح في أن أولئك الذين يذادون عن الحوض ويساقون إلى النار، هم ممن أسلم وصاحب النبي ممن يعرفهم النبي ويعرفونه ورآهم ورأوه، ومات النبي وهم على دين الإسلام إلاّ أنهم بعد رحيله صلى الله عليه وآله إلى الرفيق الأعلى غيّروا وبدّلوا وأحدثوا في الدين ما ليس منه، ورجعوا على أدبارهم القهقرى.
يؤكد إمكانية حصول ذلك بالنسبة للصحابة قوله تعالى : {وَمَا مُحَمَّدٌ إِلاَّ رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَفَإِنْ مَاتَ أَوْ قُتِلَ انْقِلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ وَمَنْ يَنْقَلِبْ عَلَى عَقَبَيْهِ فَلَنْ يَضُرَّ اللهَ شَيْئاً وَسَيَجْزِي اللهُ الشَّاكِرِينَ } (49) .
بل أكد حصوله الصحابي البراء بن عازب ففي الخبر الذي أخرجه البخاري فـي صحيحه بسنده عن العلاء بن المسيب، عن أبيه قـال: ( لقيت البراء بن عازب رضي الله عنهما  فقلت طوبى لك صحبت النبيصلى الله عليه وسلم وبايعته تحت الشجرة، فقال: يابن أخي إنك لاتدري ما أحدثنا بعده ) (50) .
فهذا أحد الصحابة يقر ويشهد على أنهم أحدثوا بعد النبي صلى الله عليه وآله.
وإذا كان في الصحابة منافقون لا يعرفهم حتى النبي صلى الله عليه وآله .
وإذا كان النبي صلى الله عليه وآله يخبر بأن من الصحابة من سيرتد .
وإذا كان الصحابة أنفسهم يخبرون بأنهم أحدثوا بعد رسول الله صلى الله عليه وآله.
فهل يصح بعد هذا أن يقال بأنهم كلهم عدول، لا يحتاج أن نبحث في عدالتهم؟!.
إن عدالة الصحابة التي يزعمها أهل السنة وأنهم لا يكذبون على رسول الله  صلى الله عليه وآله هي من مبتدعاتهم، فالصحابة لم يدّعوا ذلك لأنفسهم، ولم يكن لها وجود في زمن النبي صلى الله عليه وآله وإلى فترة من بعد وفاته إلى أن أخترعت هذه المزعومة بعد ذلك لدوافع سياسية غير خافية على المتتبع البصير للأحداث التي أعقبت وفاة النبي صلى الله عليه وآله وما حصل بين الصحابة من حروب واقتتال وإعتداء بعضهم على بعض، والأدلة على ذلك عديدة منها على سبيل المثال ما أخرجهمسلم في صحيحه عن أبي هريرة قال:( ... وأعطاني – أي رسول الله صلى الله عليه وآله – نعليه، قال اذهب بنعلي هاتين فمن لقيت من وراء هذا الحائط يشهد أن لا إله إلاّ الله مستيقناً بها قلبه فبشره بالجنة، فكان أول من لقيت عمر، فقال: ما هاتان النعلان يا أبا هريرة؟! فقلت: هاتان نعلارسول الله صلى الله عليه وسلم بعثني بهما من لقيت يشهد أن لا إله إلاّ الله مستيقناً بها قلبه بشرته بالجنة، فضرب عمر بيده بين ثديي فخررت لأستي، فقال: ارجع يا أبا هريرة فرجعت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فأجهشت بكاءً وركبني عمر، فإذا هو على أثري فقال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم: ما لك يا أبا هريرة؟ قلت:لقيت عمر فأخبرته بالذي بعثتني به، فضرب بين ثديي ضربة خررت لأستي، قال ارجع فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم : يا عمر ما حملك على ما فعلت؟ قال: يا رسول الله بأبي أنت وأمي أبعثت أبا هريرة بنعليك من لقي يشهد أن لا إله إلاّ الله مستيقناً بها قلبه بشره بالجنة ؟ قال : نعم .
قال: فلا تفعل! فإني أخشى أن يتكل الناس عليها فخلهم يعملون، قال رسول الله: فخلهم)! (51) .
فهذا عمر بن الخطاب عندما أخبره أبو هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وآله طلب منه أن يبشر من لقيه أنّه يشهد أن لا إله إلاّ الله مستيقناً بها قلبه بالجنةلم يصدقه!بل اعتدى عليه وضربه حتى وقع على أسته، وذهب إلى رسول الله صلى الله عليه وآله يبكي من شدة الألم الذي سببه له اعتداء عمر عليه، بل نجد في الرواية أن عمر بن الخطاب استفهم من النبي صلى الله عليه وآله عن ذلك بقوله: (أبعثت أبا هريرة بنعليك من لقيهيشهد أن لا إله إلاّ الله مستيقناً بها قلبه بشره بالجنة؟)!فلو كان معلوماً لدى الصحابة أن الصحابي لا يكذب على رسول الله صلى الله عليه وآله وكانت هذه الحقيقة ثابتة لدى الصحابة لما شك عمر فيما أخبره به أبو هريرة، ولما كان هناك داع لأن يستفهم من رسول الله صلى الله عليه وآله .
 
قال عثمان الخميس :( ثم بعد هذا كله الحديث لا يستدل به الخوارج ولا النواصب ولا المعتزلة، وإنما يستدل به الشيعة على ارتداد أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم، فيقال لهم: وما الذي يخرج عليّاً والحسن والحسين وحمزة والعباس وغيرهم من أهل بيت النبي صلى الله عليه وسلم ما الذي يمنع أن يكونوا من الذين ارتدوا؟
نحن لا نقول بردتهم وحاشاهم، بل نحن نقول بإمامتهم ونقول بأنهم من أهل الجنة كما قال النبي صلى الله عليه وسلم عن علي رضي الله عنه لما كانوا على حراء أثبت حراء، فإنما عليك نبي أو صديق أو شهيد، وكان علي مع النبي صلى الله عليه وسلم وهو من أهل الجنة .
وثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم أنّه قال عن الحسن والحسين: «سيّدا شباب أهل الجنة») (52).
 
أقول:
أولاً: لا يقول الشيعة أن كل الصحابة من بعد رسول الله صلى الله عليه وآله قد ارتدوا عن دين الإسلام، فمن يدّعي على الشيعة هذا فهو كذاب أشر، وهذا الحديث إنما يأتي به الشيعة كدليل على عدم عدالة جميع الصحابة، لأن الحديث فيه صراحة على أن منهم من سيغيّر ويبدل بعد رسول الله صلى الله عليه وآله ويرتكب من الموبقات ما يؤدي به إلى الدخول إلى النار والعياذ بالله، فهذا الحديث ينفي العدالة المدعاة لجميع الصحابة من قبل أهل السنة.
 
ثانياً: إن ما يجعلنا نخرج علياً والحسن والحسين عليهم السلام من جملة المرتدين أدلة متواترة لا روايات آحاد، أمّا علي عليه السلام فإن النبي صلى الله عليه وآله قال عنه يوم غدير خم: «من كنت مولاه فعلي مولاه» وهذا الحديث من الأحاديث المتواترة التي يقطع المطلع على طرقها بصدور هذا الحديث من رسول الله صلى الله عليه وآله، وسواء فسرنا هذا الحديث بأن المراد بالولاية فيه المحبة والمودة والنصرة كما يذهب إلى ذلك جمهور أهل السنة، أم يراد بها الولاية على الناس في أمورهم وشؤونهم الدينية والدنيوية كما يذهب إلى ذلك الشيعة الإمامية قاطبة، فإن النبي صلى الله عليه وآله لن يأمر بهذه المولاة لو كان يحتمل أن عليّاً عليه السلام سيغيّر ويبدل من بعده، فحاشاه أن يأمر بموالاة من يكون عرضة إلى مخالفة الشريعة، والانجراف في سبيل الباطل والهوى، فمن أمر رسول الله صلى الله عليه وآله بمولاته عليه السلام علمنا أنّه لن يغيّر ولن يبدل بعد رسول الله صلى الله عليه وآله، وأنّه ممن سيكونون على نهج الحق القويم وصراط الله المستقيم.
وأمّا بالنسبة إلى الإمامين الجليلين الحسن والحسين عليهما السلام فإننا نخرجهم من جملة المرتدين بحديث متواتر عن رسول الله صلى الله عليه وآله لا بحديث آحاد غير مقطوع بصدوره عنه صلى الله عليه وآله، وهذا الحديث هو قول رسول الله صلى الله عليه وآله: «الحسن والحسين سيّدا شباب أهل الجنة»، فإن هذا الحديث مما تواتر عن رسول الله صلى الله عليه وآله، رواه عنه عدد كبير من الصحابة، الأمر الذي يقطع معه المتتبع لطرقه بصحة صدوره عن رسول الله صلى الله عليه وآله.
وأما الدليل على إخراجهم جميعاً - أعني الثلاثة، الإمام علي والإمام الحسن والإمام الحسين عليهم السلام- من جملة المرتدين فآية التطهير التي دلّت الأحاديث المتواترة عن رسول الله صلى الله عليه وآله أنّها نزلت فيهم، فهي إخبار عن طهارتهم عليهم الصلاة والسلام، فتكون هذه الآية كافية للدلالة على حسن عاقبة هؤلاء.
 
قال عثمان الخميس: ( فنقول للشيعة إن قلتم إن أبا بكر وعمر وأبا عبيدة وغيرهم من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم من الذين يذادون عن الحوض ما الذي يمنع غيركم كالنواصب مثلاً أن يقولوا لكم عليٌّ أيضاً ممن يذاد عن الحوض، وإن قلتم ثبتت فضائل لعلي فسيقولون لكم ثبتت فضائل أكثر منها لأبي بكر وعمر) (53) .
 
أقول:
أولاً: إنّ الشيعة يستندون إلى حديث الحوض لإبطال مزعومة عدالة جميع الصحابة، وليس لإثبات ارتداد زيد أو عمرو من الصحابة، فحشر عثمان الخميس أسماء بعض الصحابة هنا من باب التخبط والخلط.
ثم إنّ الناصبي عليه أن يأتي بالدليل على أن علياً عليه السلام من جملة المرتدين الذين يذادون عن حوض رسول الله صلى الله عليه وآله ويؤمر بهم إلى النار، فهل يملك النواصب أخزاهم الله على ذلك دليلاً متواتراً قطعي الصدور؟ فإنّا نمتلك من الأدلة ما هو قطعي لإثبات أن علياً عليه السلام ليس من جملة أولئك المطرودين.
 
ثانياً: إن قول عثمان الخميس أنّه جاء لأبي بكر وعمر من الفضائل أكثر مما جاء لعلي عليه السلام يردّه تصريح بعض علماء أهل السنة بأنّه لم يأت لأحد من الصحابة من الفضـائل بالأسـانيد المعتبرة ما جـاء لعلي عليه السلام قال ابن حجر في الصواعق: (وهي- أي فضائل علي - كثيرة عظيمة شهيرة حتى قال: أحمد ما جاء لأحد من الفضائل ما جاء لعلي.
وقال إسماعيل القاضي والنسائي وأبو علي النيسابوري: لم يرد في حق أحد من الصحابة بالأسانيد الحسان أكثر مما جاء في علي) (54).
 
ثم إن عثمان الخميس استشهد بقوله تعالى: {مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ تَرَاهُمْ رُكَّعًا سُجَّدًا يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللهِ وَرِضْوَانًا سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ مِنْ أَثَرِ السُّجُودِ ذَلِكَ مَثَلُهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَمَثَلُهُمْ فِي الْإِنْجِيلِ كَزَرْعٍ أَخْرَجَ شَطْأَهُ فَآَزَرَهُ فَاسْتَغْلَظَ فَاسْتَوَى عَلَى سُوقِهِ يُعْجِبُ الزُّرَّاعَ لِيَغِيظَ بِهِمُ الْكُفَّارَ وَعَدَ اللهُ الَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ مِنْهُمْ مَغْفِرَةً وَأَجْرًا عَظِيمًا} (55) .
وتكلم حول هذه الآية في أكثر من صفحتين من كتابه حقبة من التاريخ مدّعياً أن المفسرين أجمعوا على أنّ «من» في الآية في قوله تعالى: {مِنْهُمْ} بيانية وليست تبعيضية، وأن ظاهر هذه الآية المدح لأصحاب النبي صلى الله عليه وآله كلهم فكان مما قاله: (ثم انظر إلى سياق الآية كلها مدح ليس فيها ذم لبعضهم بل مدح لكلهم) (56).
وكان مما قاله أيضاً بعد أن ذكر أسماء جملة من علماء أهل السنة وأنهم قالوا بأن «من» في الآية للجنس أو للتوكيد: (كل هؤلاء لما تكلموا عن هذه الآية قالوا إن «من» هنا مؤكدة أو مجنسة وليست من التبعيضية كما يدعي أعداء الله تبارك وتعالى)(57).
فهو يحاول أن يثبت من هذه الآية الكريمة عدالة جميع الصحابة، لكن نقول في الرّد عليه:
 
أولاً: لا شك أن المراد بقوله تعالى: {وَالَّذِينَ مَعَهُ} المعيّة الإيمانية لا المعية المكانية أو الزمانية، فنحن أمام احتمالين، إمّا أن يكون المراد بالآية الكريمة جميع من آمن ودخل إلى الإسلام، أو المراد بها بعضهم ممن توفرت فيهم السمات التي أشارة إليها الآية الكريمة، أمّا الاحتمال الأول فمردود وذلك لأن من بين من أسلم وآمن برسالة الإسلام جماعة وصفهم القرآن الكريم بأنّهم مرضى القلوب، قال تعالى في محكم كتابه المجيد: {إِذْ يَقُولُ الْمُنَافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ غَرَّ هَؤُلَاءِ دِينُهُمْ وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللهِ فَإِنَّ اللهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ} (58)، وقد صرّح بعض المفسرين بأن المراد بالذين في قلوبهم مرض هم ضعفاء الإيمان،  فهم غير المنافقين، وبلا شك أن هؤلاء غير مرادين بالآية الكريمة، فيكون احتمال أن المراد بالذين معه كل من كان معه من المسلمين غير صحيح، فلا تكون الآية الكريمة دليلاً على عدالة جميع الصحابة، لأن ضعفاء الإيمان من جملتهم، وما ذكرته الآية الكريمة من صفات لا تنطبق على هؤلاء، فيتعين أنه سبحانه وتعالى أراد بها جماعة من الصحابة لا كلهم.
ثم ما دام أنّ الذي في قلوبهم مرض هم من جملة الصحابة فإن الآية الكريمة لا يمكن أن يستدل بها على عدالة أحد ممن كانوا مع النبي صلى الله عليه وآله إلاّ أن يثبت بدليل آخر أنّه ممن تنطبق عليه الصفات التي أشارت إليها الآية الكريمة.
إضافة إلى ذلك فإن المنافقين من جملة من كان مع النبي صلى الله عليه وآله وهم قطعاً ليسوا بمعنيين بهذه الآية، لكن بما أن بعض هؤلاء المنافقين غير مكشوف الحال للنبي صلى الله عليه وآله وللمؤمنين ومتستراً على نفاقه غاية التستر فإننا كذلك لا نستطيع أن نحكم بموجب هذه الآية على عدالة أحد ممن كان مع النبي صلى الله عليه وآله ما لم يثبت بدليل آخر أنّه ممن اتصف بالصفات المذكورة في هذه الآية. 
 
ثانياً: إنّ من جملة من آمن بالرسول صلى الله عليه وآله وشاهده وسمع منه من ارتد عن الإسلام في جملة من ارتد بعد وفاة النبي صلى الله عليه وآله، وهؤلاء كانوا في حياته معدودين في جملة أصحابه، فإذا كانوا وقت نزول الآية ممن تشملهم الآية الكريمة لأنهم ممن آمن برسالة الإسلام فإنهم يخرجون منها بارتدادهم، وهذا مما يؤيد أن تكون «من» في الآية تبعيضية لا بيانية، أي أنّ الوعد بالمغفرة والأجر العظيم خاص بمن بقي منهم على إيمانه وممارسته للأعمال الصالحة، لا من انحرف عن إيمانه أو انجرف إلى ممارسة الموبقات والسيئات، وعلى هذا فإن عدم دلالة الآية على عدالة جميع الصحابة جلية واضحة.
 
ثالثاً: إن الآية الكريمة تذكر مجموعة من الصفات لهؤلاء الذين كانوا معه صلى الله عليه وآله منها:  أنهم {أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ} لكننا إذا رجعنا إلى سيرة بعض هؤلاء الصحابة وواقع حالهم نجد أنهم يفتقدون هذه الصفة، ومن أدلة ذلك انهزامهم في معركة حنين، فعن أبي قتادة قال: (لما كان يوم حنين نظرت إلى رجل من المسلمين يقاتل رجلاً من المشركين وآخر من المشركين يختله من ورائه ليقتله، فأسرعت إلى الذي يختله، فرفع يده ليضربني وأضرب يده فقطعتها، ثم أخذني فضمني ضماً شديداً حتى تخوفت، ثم ترك فتحلل ودفعته، ثم قتلته، وانهزم المسلمون وانهزمت معهم، فإذا بعمر بن الخطاب في الناس، فقلت له: ما شأن الناس؟ قال: أمر الله!!، ثم تراجع الناس إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم...) (59) .
وقد أثبت الله هذه الحقيقة في كتابه فقال عزّ من قائل : {لَقَدْ نَصَرَكُمُ اللهُ فِي مَوَاطِنَ كَثِيرَةٍ وَيَوْمَ حُنَيْنٍ إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ فَلَمْ تُغْنِ عَنْكُمْ شَيْئاً وَضَاقَتْ عَلَيْكُمُ الْأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ ثُمَّ وَلَّيْتُمْ مُدْبِرِينَ} (60) .
فكيف يصح -بعد هذا - أن نصف هؤلاء المنهزمين من الصحابة يوم حنين بأنهم أشداء على الكافرين؟!
ومن الصفات التي تذكرها الآية الكريمة للذين كانوا مع النبي صلى الله عليه وآله أنهم {رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ إلاّ أننا نجد أنّ هذه الصفة كانت مفقودة عند بعضهم، والأدلة على ذلك عديدة منها: أنّ جماعة من الصحابة ومن أعانهم من سائر الناس بغوا على الإمام علي بن أبي طالب عليه السلام ومن كانوا معه من الصحابة ومن سائر المسلمين وذلك في معركة الجمل وصفين، وقطعاً لم يكن هؤلاء البغاة رحماء بالإمام علي عليه السلام وبمن معه حين بغوا عليهم وقاتلوهم وقتلوا منهم من قتلوا وجرحوا من جرحوا.
فإذا كان بعض الصحابة يفتقد الصفات التي أشارت إليها الآية أو بعضها فكيف يصح أن يزعم زاعم ويدّعي مدع بأن الآية تدل على عدالة جميع الصحابة ؟!
وعليه فحتى لو سلّمنا -جدلاً - أن «من» في الآية بيانية لا تبعيضية فإن الآية الكريمة قطعاً لا تعني جميع الصحابة، وإنما فئة خاصة منهم اجتمعت فيهم الصفات المذكورة، فهم وحدهم الذين يشملهم الوعد الإلهي دون غيرهم من سائر الصحابة ممن يفتقدونها.
والحمد لله رب العالمين، وصلى الله على خير خلقه محمد وآله الطيبين الطاهرين.
_________________
(1) الفتح : 18 . 
(2) حقبة من التاريخ صفحة 144- 145 .
(3) وفي قول : 1400 صحابي ، وفي آخر 1500صحابي ، وهناك أقوال أخرى.
(4) الفتح: 10 .
(5) صحيح البخاري 4/1529 رواية رقم : 3937 .
(6) موطأ مالك 2/461 ، قال ابن عبد البر في التمهيد 21/228 : هذا الحديث مرسل هكذا منقطع عند جميع الرواة للموطأ ولكن معناه يستند من وجوه صحاح كثير.
(7) المستدرك على الصحيحين 2/132 رواية رقم : 2562 ، المعجم الكبير 17/368 رواية رقم 1010، التاريخ الكبير 7/19 ترجمة الصحابي عياض، الطبقات الكبرى 2/155.
(8) صحيح مسلم 3/1398 رواية رقم : 1775 ، صحيح ابن حبّان 15/524 رواية رقم : 7049 .
(9) سيرة ابن هشام 5/113 ، زاد المعاد 3/471 ، تاريخ الطبري 2/168.
(10) مسند أحمد بن حنبل 3/376 رواية رقم : 15069 ، وقال الشيخ شعيب الأرنؤوط : (إسناده حسن رجاله ثقات رجال الشيخين غير أبي إسحاق فهو صدوق حسن الحديث) ، دلائل النبوّة للبيهقي 5/128 ، زاد المعاد 3/469 ، سيرة ابن هشام 5/114 ، البداية والنهاية 4/326 ، تاريخ الطبري 2/168 .
(11) الأنفال : 15- 16 .
(12) المغازي للواقدي 2/81، الخصائص الكبرى للسيوطي 1/406، سبل الهدى والرشاد 5/41.
(13) المغازي للواقدي 2/93، السيرة الحلبية 2/703، تخريج الأحاديث والآثار 2/94 .
(14) حقبة من التاريخ صفحة 145 .
(15) حقبة من التاريخ صفحة 146 .
(16) المدثر: 31 .
(17) التوبة : 101 .
(18) صحابي وهو قاتل الصحابي الجليل عمّار بن ياسر ، وقد قال رسول الله صلى الله عليه وآله : «قاتل عمّار وسالبه في النار»، قال الشيخ محمد ناصر الدين الألباني في سلسلته الصحيحة 5/8 . ( ... فقال الإمام أحمد (4/198) وابن سعد في الطبقات (3/260-261) والسياق له : أخبرنا عفّان بن مسلم ، قال : أخبرنا حمّاد بن سلمة ، قال : أخبرنا أبو حفص وكلثوم بن جبر عن أبي الغادية قال : «سمعت عمّار بن ياسر يقع في عثمان يشتمه بالمدينة ، قال : فتوعدته بالقتل ، قلت : لئن مكنني الله منك لأفعلن ، فلما كان يوم صفين جعل عمّار يحمل على الناس ، فقيل : هذا عمّار ، فرأيت فرجة بين الرئتين وبين الساقين ، قال : فحملت عليه فطعنته في ركبته ، قال : فوقع فقتلته ، فقيل : قتلت عمّار بن ياسر ؟!»
وأخبرنا عمرو بن العاص فقال : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم (فذكره) [أي ذكر حديث قاتل عمّار وسالبه في النّار] فقيل لعمرو بن العاص : هو ذا أنت تقاتله ؟ فقال : إنما قال قاتله وسالبه )
ثم قال الألباني : ( قلت : وهذا إسناد صحيح رجاله ثقات رجال مسلم ، وأبو الغادية هو الجهني وهو صحابي كما أثبت ذلك الجميع ... ) .
(19) حقبة من التاريخ صفحة 146 .
(20) حقبة من التاريخ صفحة 146 .
(21) صحيح البخاري 1/27 رواية رقم: 48.
(22) حقبة من التاريخ صفحة 146- 147 .
(23) حقبة من التاريخ صفحة 147 .
(24) حقبة من التاريخ صفحة 147- 148 .
(25) حقبة من التاريخ صفحة 148- 149.
(26) حقبة من التاريخ صفحة 149 .
(27) حقبة من التاريخ صفحة 149 .
(28) حقبة من التاريخ صفحة 149 .
(29) حقبة من التاريخ صفحة 150 .
(30) حقبة من التاريخ صفحة 150- 151 .
(31) مسند أحمد 5/393 حديث رقم : 23385 وقال الشيخ شعيب الأرنؤوط: (هذا الحديث له إسنادين ، الأول إسناده صحيح ، والإسناد الثاني رجاله ثقات رجال الصحيح ) .
(32)صحيح مسلم 4/188 برقم : 2304 .
(33)مسند أحمد 5/48 برقم : 20512 ، وأخرجه أيضاً في نفس المصدر 5/50 برقم : 20526 .
(34) المعجم الأوسط 6/351 برقم : 6598 .
(35)مسند البزار 1/314 برقم : 204 .
(36) صحيح البخاري 3/1222 برقم : 3171 ، وأيضاً في نفس المصدر 3/1272 برقم : 3263 و4/1691 برقم : 4349 و4/1766 برقم : 4463 .
(37)مسند أبي يعلى 2/433 حديث رقم : 1238 .
(38)صحيح البخاري 5/2407 برقم : 6215 .
(39) صحيح البخاري 5/2404 برقم : 6205 ، وفي نفس المصدر 6/2587 برقم : 6642 .
(40) مسند أحمد بن حنبل 3/384 برقم : 15161 .
(41) صحيح البخاري 6/2587 برقم : 6643.
(42) مسند الشاميين 2/317 برقم : 1413 ، ورواه أيضاً في نفس المصدر 2/311 برقم : 1405 .
(43) صحيح البخاري 5/2409 برقم : 6220 .
(44)صحيح مسلم  4/1794 برقم : 2294 .
(45) حقبة من التاريخ صفحة 151.
(46) حقبة من التاريخ صفحة 151 .
(47) حقبة من التاريخ صفحة 151- 152 .
(48) حقبة من التاريخ صفحة 152 .
(49) آل عمران : 144 .
(50) صحيح البخاري 4/1529 برقم : 3937 .
(51) صحيح مسلم 1/44 .
(52)حقبة من التاريخ صفحة 152 .
(53) حقبة من التاريخ صفحة 153 .
(54) الصواعق المحرقة 2/353 .
(55) الفتح : 29 .
(56)حقبة من التاريخ صفحة 155 .
(57) حقبة من التاريخ صفحة 156 .
(58) الأنفال : 49 .
(59) صحيح البخاري 4/1570 رواية رقم : 4067 .
(60) التوبة : 25 .

 

 
شارك بتعليقك حول هذا الموضوع
الاسم
التعليق
من
أحرف التأكيد Security Image
 
جميع التعليقات خاضعة للمراقبة ، تجنباً للمشاركات الهدامة !